تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ومن أخبار الفرّارين الذين حسّنوا الفرار على قبحه

قال صاحب كلبلة ودمنة: إن الحازم يكره القتال ما وجد بدّا منه، لأن النفقة فيه من النفس، والنفقة في غيره من المال.

وقالوا: من توقّى سلّم، ومن تهوّر ندم.

وقال عبد الله بن المقفّع: الشجاعة متلفة، وذلك أن المقتول مقبلا أكثر من المقتول مدبرا، فمن أراد السلامة فليؤثر الجبن على الشجاعة.

وليم بعض الجبناء على جبنه، فقال: أوّل الحرب شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى.

وقال آخر: الحرب مقتلة للعباد، مذهبة للطارف والتّلاد.

وقيل لجبان: لم لا تقاتل؟ فقال: عند النطاح يغلب الكبش الأجمّ.

وقالوا: الحياة أفضل من الموت، والفرار في وقته ظفر.

وقالوا: الشجاع ملقّى، والجبان موقّى. قال البديع الهمذانىّ

ما ذاق همّا كالشجاع ولا خلابمسرّة كالعاجز المتوانى

وقالوا: الفرار في وقته، خير من الثبات في غير وقته.

وقالوا: السّلم أزكى للمال، وأبقى لأنفس الرّجال.

وقالوا: الحمام في الإقدام، والسلامة في الإحجام.

وقال المتوكّل لأبى العيناء: إنى لأفرق من لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، الكريم ذو فرق وإحجام، واللئيم ذو وقاحة وإقدام.

وقيل لأعرابىّ: ألا تعرف القتال؟ فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إنى لأبغض الموت على فراشى في عافية، فكيف أمضى إليه ركضا؛ قال شاعر

تمشى المنايا الى قوم فأبغضهافكيف أعدو إليها عارى الكفن؟

وقيل ليزيد: إن النبىّ ﷺ قال: «إذا رأيت شخصا بالليل، فكن للإقدام عليه أولى منه عليك» فقال: أخاف أن يكون قد سمع الحديث قبلى، فأقع معه فيما أكره، وإنما الهرب خير.

وسمع سليمان بن عبد الملك قارئا يقرأ (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتّعون إلّا قليلا) فقال: ذلك القليل نريد.

ولما فرّ أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسد يوم مرداء هجر بالبحرين من أبى فديك الخارجىّ إلى البصرة، ودخل عليه أهلها، فلم يدروا كيف يكلّمونه ولا ما يلقونه به من القول، أيهنئونه بالسّلامة أم يعزّونه بالفرار، حتى دخل عبد الله ابن الأهتم، فاستشرف الناس له، ثم قالوا: ما عسى أن يقول لمنهزم؟ فسلّم ثم قال:

مرحبا بالصابر المخذول، الحمد لله الذى نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك، ولكن الله علم حاجة أهل الإسلام إليك فأبقاك لهم بخذلان من معك لك، فقال أميّة: ما وجدت أحدا أخبرنى عن نفسى غيرك.

وقال الحارث بن هشام وأحسن في اعتذاره عن الفرار

الله يعلم ما تركت قتالهمحتى علوا مهرى بأشقر مزبد
وعلمت أنّى إن أقاتل واحداأقتل ولا يضرر عدوّى مشهدى
للشاعر الحارث بن هشام المخزومي، اقرأ القصيدة
فصدفت عنهم والأحبّة فيهمطمعا لهم بعقاب يوم سرمد

وقال زفر بن الحارث وقد فرّ يوم مرج راهط عن رفيقيه

أيذهب يوم واحد إن أسأتهبصالح أيامى وحسن بلائيا؟
للشاعر زفر بن الحارث الكلابي، اقرأ القصيدة
فلم تر منّى زلّة قبل هذهفرارى وتركى صاحبىّ ورائيا

وهى أبيات نذكرها إن شاء الله في التاريخ، ونظير ذلك قول عمرو بن معد يكرب من أبيات يخاطب بها أخته ريحانة، وقد فرّ من بنى عبس

أجاعلة أمّ النّوير خزايةعلىّ فرارى إذا لقيت بنى عبس
وليس يعاب المرء من جبن يومهإذا عرفت منه الحماية بالأمس
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أجاعلة أم الثوير خزاية»

وعكس هذا البيت عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوىّ، وكان قد فرّ يوم الحرّة من جيش مسلم بن عقبة، فلما حاصر الحجاج عبد الله بن الزبير بمكة جعل يقاتل أهل الشّام ويرتجز

أنا الذى فررت يوم الحرّةوالشيخ لا يفرّ إلا مرّة
فاليوم أجزى كرّة بفرّهلا بأس بالكرّة بعد الفرّه

ولم يزل يقاتل حتى قتل؛ قال الفرّار السّلمىّ.

وفوارس لبّستها بفوارسحتى إذا التبست أملت بها يدى
وتركتهم نقض الرّماح ظهورهممن بين مقتول وآخر مسند
هل ينفعنّى أن تقول نساؤهموقتلت دون رجالهم: لا تبعد؟

وقال آخر

قامت تشجّعنى هند فقلت لها:إن الشجاعة مقرون بها العطب
لا والذى منع الأبصار رؤيتهما يشتهى الموت عندى من له أرب
للحرب قوم أضل الله سعيهمإذا دعبتهم إلى نيرانها وثبوا

وقيل لجبان في بعض الوقائع: تقدّم، فقال

وقالوا: تقدّم قلت: لست بفاعلأخاف على فخّارتى أن تحطّما
فلو كان لى رأسان أتلفت واحداولكنه رأس إذا زال أعقما
وأونتم أولادا وأرمل نسوةفكيف على هذا ترون التقدّما؟

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.