تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل في الجبن والفرار

ومن أقبح ما هجى به الرجل أن يكون جبانا فرّارا، وقد نهانا الله عزّوجل عن الفرار، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ

وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

. وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).

وقالت عائشة رضى الله عنها: إن لله خلقا، قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها، فأفّ للجبناء، أفّ للجبناء.

وقال خالد بن الوليد عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدى موضع إلا فيه طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشى حتف أنفى، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.

وقيل كتب زياد إلى ابن عباس: أن صف لى الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه: كتبت تسألنى عن ضائع ركّبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أن الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، ولجبان يفرّ عن عرسه، وأن الجواد يعطى من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه؛ وقال شاعر

يفرّ جبان القوم عن عرس نفسهويحمى شجاع القوم من لا يناسبه
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

وقالوا: الجبن غريزة كالشجاعة بضعها الله فيمن شاء من خلقه.

قال المتنبى

يرى الجبناء آن الجبن حزموتلك خديعة الطبع اللئيم

وقالوا: حدّ الجبن الضنّ بالحياة، والحرص على النجاة.

وقالت الحكماء في الفراسة: من كانت فزعته في رأسه، فذاك الذى يفرّ من أمّه وأبيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التى تؤويه.

ويقال: أسرع الناس إلى الفتنة أقلّهم حياء من الفرار. وقال هانىء الشيبانىّ لقومه يوم ذى قار يحرّضهم على القتال: يا بنى بكر! هالك معذور، خير من ناج

فرور، المنيّة، ولا الدّنيّة، استقبال الموت خير من استدباره، الثغر في ثغور النحور، خير منه في الأعجاز والظهور، يا بنى بكر! قاتلوا، فما من المنايا بدّ، الجبان مبغّض حتّى لأمّه، والشجاع محبّب حتّى لعدوّه.

ويقال: الجبن خير أخلاق النساء، وشرّ أخلاق الرجال.

وقال يعلى بن منبّه لقومه حين فروا من علىّ يوم صفّين: إلى أين؟ قالوا: ذهب الناس، قال: أفّ لكم! فرارا واعتذارا! قال: ولما قوتل أبو الطيّب المتنبى ورأى الغلبة عليه فرّ، فقال له غلامه: أترضى أن يحدّث بهذا الفرار عنك؟ وأنت القائل

الخيل والليل والبيداء تعرفنىوالطّعن والضّرب والقرطاس والقلم

فكّر راجعا، وقاتل حتى قتل، واستقبح أن يعيّر بالفرار.

وقال المنصور لبعض الخوارج عليه وقد ظفر به: أخبرنى عن أصحابى، أيهم كان أشدّ إقداما في المبارزة، قال: لا أعرف وجوههم مقبلين وإنما أعرف أقفيتهم مدبرين، فقل لهم: يدبروا لأعرفك أيّهم كان أشدّ فرارا.

وقال ابن الرّومىّ في سليمان بن عبد الله بن طاهر

قرن سليمان قد أضرّ بهشوق إلى وجهه سيدنفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»
لا يعرف القرن وجهه ويرىقفاه من فرسخ فيعرفه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قرن سليمان قد أضر به»

وقال حسّان بن ثابت يعيّر الحارث ابن هشام بفراره يوم بدر

إن كنت كاذبة الذى حدثتنىفنجوت منجى الحارث بن هشام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تبلت فؤادك في المنام خريدة»
ذاك لأحبّة لم يقاتل دونهمونجا برأس طمرّة ولجام
ملأت به الفرجين فارمدّت بهوثوى أحبّته بشرّ مقام
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تبلت فؤادك في المنام خريدة»

وقال أبو الفرج الأصفهانىّ: وكان أبو حيّة النميرىّ وهو الهيثم بن الربيع ابن زرارة جبانا بخيلا كذّابا، قال ابن قتيبة: وكان له سيف يسمّيه: لعاب المنية، ليس بينه وبين الخشبة فرق، قال: وكان أجبن الناس؛ قال: فحدثنى جار له، قال: دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصّا، فأشرفت عليه، وقد انتضى سيفه، وهو واقف في وسط الدار يقول: أيها المغترّبنا، المجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل، وسيف صقيل، لعاب المنية الذى سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إنى والله إن أدع قيسا إليك لا تقم لها، وما قيس؟ تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله! ما أكثرها وأطيبها! فبينا هو كذلك، إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذى مسخك كلبا، وكفانا حربا.

ومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم، قول الشاعر

ولو أنها عصفورة لحسبتهامسوّمة تدعو عبيدا وأرنما
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

ومثله قول عروة بن الورد

وأشجع قد أدركتهم فوجدتهميخافون خطف الطير من كلّ جانب

وقال آخر

ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهمخيلا تكرّ عليهم ورجالا

وقول أبى تمام

موكّل بيفاع الأرض يشرفهمن خفة الخوف لا من خفّة الطّرب

وقال ابن الرومىّ

وفارس أجبن من صفرديحول أو يغور من صفره
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وفارس أجبن من صفرد»
لو صاح في الليل به صائحلكانت الأرض له طفره
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وفارس أجبن من صفرد»
يرحمه الرحمن من جبنهفيرزق الجند به النصره

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.