تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل في الحرص والطمع

قال الله عزّوجل لنهيّه ﷺ: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى).

وقال رسول الله ﷺ: «أربع من الشقاء الخ ... عدّ منها الحرص والأمل» وقال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشدّ من حرص المرء على المال ». وقال: «يشيب ابن آدم وتشبّ منه اثنتان: «الحرص على المال، والحرص على العمر» وقال: «إيّاكم والطمع فإنه الفقر الحاضر».

ومن كلام علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: «الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفىّ، وكلما عظم قدر الشىء المتنافس فيه، عظمت الرّزية لفقده، والأمانىّ تعمى البصائر. أزرى بنفسه من استشعر الطمع، واستولت عليه الأمانىّ.

وقال بعضهم: الحرص ينقص من قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه.

وقال قتيبة: إن الحريص استعجل الذّلة، قبل إدراك البغية.

وقيل: لا راحة لحريص، ولا غنى لذى طمع.

وقيل: إن كعبا لقى عبد الله بن سلام، فقال: يابن سلام، من أرباب العلم؟

قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه؟ قال: الطمع، وشره النفس، وطلب الحوائج الى الناس. قال الأصمعىّ:

سمعت أعرابيّا يقول: عجبت للحريص المستكبر، المستقلّ لكثير ما في يده، المستكثر

لقليل ما في يد غيره، حتّى طلب الفضل، بذهاب الأصل، فركب مفاوز البرارى، ولجج البحار، معرّضا نفسه للمات، وماله للآفات، ناظرا إلى من سلم، غير معتبر بمن عدم.

قال يزيد بن الحكم الثّقفىّ.

رأيت السّخىّ النفس، يأتيه رزقههنيئا، ولا يعطى على الحرص جامع
وكلّ حريص لن يجاوز رزقهوكم من موفّى رزقه وهو وادع
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وقالوا: مصارع الألباب تحت ظلال الطمع. ويقال

الحرّ عبد ما طمعوالعبد حرّ ما قنع

وقالوا: أخرج الطمع من قلبك، تحلّ القيد من رجلك. وقال عمرو بن مالك الحارثىّ

الحرص للنفس فقر والقنوع غنىوالقوت إن قنعت بالقوت يجزيها
والنفس لو أن ما في الأرض حيز لهاما كان إن هى لم تقنع بكافيها

وقال ابن هرمة

وفي اليأس عن بعض المطامع راحةويا ربّ خسر أدركته المطامع
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وفي اليأس عن بعض المطامع راحة»

وقال هرمة بن خشرم

وبعض رجاء المرء ما ليس نائلاعناء وبعض اليأس أعفى وأروح
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

وقال مكنف بن معاوية التيمىّ

ترى المرء يأمل ما لا يرىومن دون ذلك ريب الأجل
وكم آيس قد أتاه الرّجاءوذى طمع قد لواه الأمل

وقال آخر

طمعت فيما وعدتك المنىوليس فيما وعدت مطمع
وثقت بالباطل من قولهاوليس حقّا كلّ ما تسمع
وإنما موعدها بارقفى كل حين خلّب يلمع

ويضرب المثل في الطمع «بأشعب». قيل له: ما بلغ من طمعك؟ فقال للقائل له: لم تقل هذا إلا وفي نفسك خير تصنعه بى؛ وقيل: إنه لم يمت شريف قطّ من أهل المدينة إلا استعدى أشعب على وصيّه أو وارثه وقال له: احلف أنه لم يوص لى بشىء قبل موته؛ ووقف على رجل يعمل طبقا من الخيزران، فقال له: وسّعه قليلا، قال الخيزرانىّ: كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن ربما يشتريه بعض الأشراف فيهدى إلىّ فيه شيئا؛ وسأله سالم بن عبد الله بن عمر رضى الله عنه عن طمعه، قال: قلت لصبيان مرة: اذهبوا، هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا، فلما أحضروا ظننت أنه كما قلت لهم، فعدوت فى إثرهم؛ وقيل له: ماذا بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جارى فأثرد عليه؛ وقيل له أيضا: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزفّ إلا كنست بيتى ورششته طمعا أن تزفّ إلىّ؛ وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلب أمّ حومل، تبعنى فرسخين، وأنا أمضغ كندرا، ولقد حسدته على ذلك.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.