من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومنهم: أبو نواس الحسن بن هانىء
ممن اشتهر بالشراب واللهو والطرب ومنادمة القيان، وله في الخمر تشبيهات حسنة وحكايات ظريفة، نذكر هاهنا من أخباره طرفا:
حكى أن مسلم بن الوليد عاتبه وقال: يا أبا نواس، قد خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبّك وما كذلك يفعل الأدباء! فأطرق ثم قال:
فأوّل شربك طرح الرداءوآخر شربك طرح الإزار
وما هنّأتك الملاهى بمثلإمانة مجد وإحياء عار
وما جاد دهر بلذّاتهعلى من يضنّ بخلع العذار
فانصرف مسلم وقد أيس من فلاحه وهو يقول: جواب حاضر، من كهل فاجر. ومما يحفظ من أخباره، ويروى من أشعاره في ذلك: أنه بلغ إخوانه عنه أنه ترك الشراب واللذّات وأخذ في الزهد والصلاة في أوقاتها فاجتمعوا إليه وأقبلوا يهنّئونه، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل اليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلا وأنشد:
قالوا نزعت ولمّا يعلموا وطرىفى كلّ أغيد ساجى الطرف ميّاس
كيف النزوع وقلبى قد تقسّمهلحظ العيون وقرع السنّ بالكاس
لا خير في العيش إلا في المجون مع الأكفاء والراح والريحان والآس
ومسمع يتغنّى والكئوس لهاحثّ علينا بأخماس وأسداس
يا مورى الزند قد أكبت قوادحهاقبس اذا شئت من قلبى بمقياس
ما أقبح الناس في عينى وأسمجهمإذا نظرت فلم أبصرك في الناس
وحدّث الفضل بن سلمة عن الثورىّ، قال: خرج الحسن بن هانىء ومعه مطيط صاحبه، حتى أتيا دار خمّار. فقال الحسن لمطيط: ادخل بنا نمزح بهذا الخمّار. فدخلا فسلّما فردّ عليهما. فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة يا خمّار؟
فقال: عندى منها أجناس، فأيها تريد؟ قال: التى يقول فيها الشاعر:
حجبت خيفة وصينت فجاءتكجلاء العروس بعد الصّيان
وكأنّ الأكفّ تصبغ من ضوء سناها بالورس والزعفران
فملأ له الخمّار قدحا من خمر صفراء، كأنها ذهب محلول؛ فشربه الحسن وقال:
أحسن من هذا أريد. فقال له الخمار: أىّ جنس تريد؟ قال: التى يقول فيها الشاعر:
دفعتها أيدى الهواجر حتّىصيّرت جسمها كجسم الهواء
فهى كالنّور في الإناء وكالنّار إذا ما تصير في الأحشاء
فملا له الخمار قدحا من خمر كأنها العقيق. فشربه وقال: أرفع من هذا أريد.
فقال: أىّ جنس؟ قال: التى يقول فيها الشاعر:
وإذا حسا منها الوضيع ثلاثةسمح الوضيع كفعل ذى القدر
فى لون ماء الغيث إلا أنهابين الضلوع كواقد الجمر
فملأ له قدحا من خمر بيضاء، كأنها ماء المزن. فشرب الحسن وقال للخمار:
أتعرفنى؟ قال: إى والله يا سيدى، أنا أعرف الناس بك. قال: من أنا؟ قال:
أنت الذى يسكر من غير وزن. فضحك الحسن وقال لمطيط: ادفع إليه ما بقى عندك من النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وقال الحسين بن الضحّاك: كنت مع أبى نواس بمكة عام حجّ، فسمع صبيّا يقرأ (يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا).
فقال أبو نواس: فى مثل هذا يجىء للخمر صفة حسنة؛ ففكّر ساعة ثم أنشدنى:
وسيّارة ضلّت عن القصد بعد ماترادفهم أفق من الليل مظلم
فأصغوا الى صوت ونحن عصابةوفينا فتى من سكره يترنم
فلاحت لهم منّا على النأى قهوةكأن سناها ضوء نار تضرّم
إذا ما حسوناها أقاموا مكانهموإن مزجت حثّوا الركاب ويمموا
قال: فحدّث بهذا الحديث محمد بن الحسين فقال: لا ولا كرامة، ما سرقه من القرآن ولكن من قول الشاعر:
وليل بهيم كلّما قلت غوّرتكواكبه عادت لنا لتذيّل
به الركب إمّا أومض البرق يمّمواوإن لم يلح فالقوم بالسير جهّل
وقال أبو نواس فيها:
ألا دارها بالماء حتى تلينهافما تكرم الصهباء حتى تهينها
أغالى بها حتى اذا ما مللتهاأهنت لإكرام النديم مصونها
وقال أيضا:
نبهته والليل ملتبس بهوأزحت عنه حثاثة فانزاحا
قال ابغنى المصباح، قلت له اتّئدحسبى وحسبك ضوءها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربةكانت له حتى الصباح صباحا
من قهوة جاءتك قبل مزاجهاعطلا فألبسها المزاج وشاحا
شكّ البزال» فؤادها فكأنهاأبدت اليك بريحها تفاحا
وقال أيضا:
ردّا علىّ الكأس، إنكمالا تدريان الكأس ما تجدى
خوّفتمانى الله جهدكماوكحيفتيه رجاؤه عندى
لا تعذلا في الراح إنكمافى غفلة عن كنه ما تسدى
لو نلت ما نلت ما مزجتإلا بدمعكما من الوجد
ما مثل نعماها اذا اشتملتإلا اشتمال فم على خدّ
إن كنتما لا تشربان معىخوف الإله شربتها وحدى
وأخبار الحسن بن هانىء فيها كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع