من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومنهم عبد الله بن موسى الهادى
قال أبو الفرج: كان له في الغناء صنعة حسنة، وله أصوات مذكورة، منها قوله:
تقاضاك دهرك ما أسلفاوكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تجزعنّ فإن الزمانرهين بتشتيت ما ألّفا
ولما رآك قليل الهمومكثير الهوى ناعما مترفا
ألحّ عليك بروعاتهوأقبل يرميك مستهدفا
قال: وكان عبد الله هذا من أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناء. وكان له غلام أسود يقال له «قلم»، فعلّمه الضرب فحذق فيه؛ فاشترته منه أمّ جعفر بثلاثمائة ألف درهم.
وروى عن سليمان بن داود كاتب أمّ جعفر قال:
كنت جالسا مع عبد الله بن موسى الهادى، فمرّ به خادم لصالح بن الرشيد؛ فقال له: ما اسمك؟ قال: اسمى لا تسل. فأعجبه حسنه وحسن منطقه، فقال لى:
قم بنا حتى نشرب اليوم ونذكر هذا البدر، فقمت معه. فأنشدنى في ذلك اليوم:
وشادن مرّ بنايجرح باللّحظ المقل
مظلوم خصر ظالممنه إذا يمشى الكفل
اعتدلت قامتهوالطرف منه ما عدل
بدر تراه أبداطالع سعد ما أفل
سألته عن اسمهفقال: إسمى لا تسل
وطلعت في وجنتيهـ وردتان من خجل
فقلت ما أخطا الذىسمّاك بل قال المثل
لا تسألن عن شادنفاق جمالا وكمل
وقال فيه:
عزّ الذى تهوى وذلّصبّ الفؤاد مختبل
جدّ به الهجر وذا الهجر اذا جدّ قتل
من شادن ممنطقفاق جمالا وكمل
تناصف الحسن بهفلا تسل عن لا تسل
وعن أحمد بن المكّى قال: دعانى عبد الله بن موسى يوما فقال لى: أتقوّم غلاما ضاربا مغنّيا قيمة عدل لا حيف فيها على البائع ولا على المشترى؟ فقلت نعم. فأخرج إلىّ ابنه القاسم، وكنت قد عرفت خبره وهو أحسن من القمر ليلة البدر، فأخذ عودا يضرب به؛ فأكببت على يديه أقبلّهما فقال لى عبد الله: أتقبّل يد غلام مملوك! فقلت: بأبى وأمى هو من مملوك! وقبّلت رجله أيضا. فقال:
أمّا إذ عرفته فأحبّ أن تضاربه، ففعلت. فلما رأى الغلام زيادتى في الضرب عليه اغتمّ وأقبل على أبيه فقال له كالمعتذر إليه: يا أبت، أنا متلذّذ وهذا متكسّب.
فضحكت وقلت: هو كذلك يا سيّدى. وعجبت من حدّة جوابه معتذرا على صغر سنه.
قال عبد الله بن حبيب:
كان عبد الله بن موسى الهادى معربدا، وكان قد أعضل»
المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه؛ فأمر به أن يحبس في منزله فلا يخرج منه، وأقعد على بابه حرسا؛ ثم تذمّم من ذلك فأظهر له الرضا وصرف الحرس عن بابه. ثم نادمه فعربد عليه أيضا وكلّمه بكلام أحفظه. وكان عبد الله مغرما بالصيد؛ فأمر المأمون خادما من خواصّ خدمه يقال له حسن فسمّه في درّاج؛ فلما أكله أحسّ بالسمّ، فركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما ترونى، ومات بعد أيام. وأكل معه خادمان، فمات أحدهما لوقته، وضنى الآخر ثم مات بعد مدّة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع