تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ومنهم أبو عيسى بن الرشيد

هو أبو عيسى أحمد، وقيل: بل اسمه صالح بن هارون الرشيد. وأمّه أمّ ولد بربريّة. كان من أحسن الناس وجها ومجالسة وعشرة وأمجنهم وأحدّهم نادرة وأشدّهم عبثا. وكان أبو عيسى جميل الوجه جدّا؛ فكان إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء.

وكانت عريب المأمونية تقول: ما سمعت غناء أحسن من غناء أبى عيسى بن الرشيد، ولا رأيت وجها أحسن من وجهه.

وروى أنّ الرشيد قال يوما لأبى عيسى وهو صبىّ: ليت جمالك لعبد الله! (يعنى المأمون) فقال له: يا أمير المؤمنين، على أنّ حظّه منك لى. فعجب الرشيد من جوابه على صباه وضمّه إليه وقبّله.

قال أبو الفرج: وكان أبو عيسى جيّد الصّنعة، وله أغان منسوبة إليه ومعروفة به. منها:

رقدت عنك سلوتىوالهوى ليس يرقد
للشاعر أبو عيسى بن الرشيد، من قصيدة «رَقَدَتْ عَنْكَ سَلْوَتي»
وأطار السهاد نومى فنومى مشرّد
أنت بالحسن منك ياحسن الوجه يشهد
وفؤادى بحسن وجهكيشقى ويكمد

وله غير هذا من الأصوات. قال: وكان كثير البسط والمجون والعبث.

وكان المأمون أشدّ الناس حبّا له، وكان يعدّه للأمر بعده ويذكر ذلك كثيرا.

حتى لقد حكى عنه أنه قال يوما: إنه ليسهل علىّ أمر الموت وفقد الملك، ولا يسهل شىء منهما على أحد؛ وذلك لمحبّتى أن يلى أبو عيسى الأمر بعدى لشدّة حبّى إياه.

وكانت وفاة أبى عيسى في سنة سبع ومائتين.

روى عن عبد الله بن طاهر قال: حدّثنى من شهد المأمون ليلة وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه وهو مستلق على قفاه، فرأوه وجعلوا يدعون. فقال أبو عيسى قولا أنكر عليه؛ كأنه يسخط لورود الشهر، فما صام بعده. ونقل عنه أنه قال:

دهانى شهر الصوم لا كان من شهرولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
للشاعر أبو عيسى ابن هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
فلو كان يعدينى الإمام بقدرةعلى الشهر لاستعديت جهدى على الشهر

فناله بعقب هذا القول صرع، فكان يصرع في اليوم مرّات حتى مات. ولمّا مات وجد المأمون عليه وجدا شديدا.

روى عن محمد بن عبّاد المهلّبىّ قال:

لمّا مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت على المأمون فخلعت عمامتى ونبنتها ورائى- والخلفاء لا تعزّى في العمائم- فقال لى: يا محمد، حال القدر، دون الوطر.

فقلت: يا أمير المؤمنين، كلّ مصيبة أخطأتك شوى، فجعل الله الحزن لك لا عليك!.

قال: فركب المأمون إلى دار أبى عيسى فحضر جهازه وصلّى عليه ونزل في قبره.

وامتنع من الطعام أياما حتى خيف أن يضرّ ذلك به. قال: وما رأيت مصابا حزينا قطّ أجمل أثرا في مصيبته ولا أحرق وجدا منه، صامت ودموعه تهمى على خدّيه من غير كلح ولا استنثار.

وروى عن أحمد بن أبى داود قال: دخلت على المأمون وقد توفّى أخوه أبو عيسى وهو يبكى ويمسح عينيه بمنديل، فقعدت الى جنب عمرو بن مسعدة وتمثّلت قول الشاعر:

نقص من الدّنيا وأسبابهانقص المنايا من بنى هاشم

فلم يزل على تلك الحال يبكى ثم يمسح عينيه، وتمثّل:

سأبكيك ما فاضت دموعى فإن تغضفحسبك منّى ما تجنّ الجوانح
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
كأن لم يمت حىّ سواك ولم تقمعلى أحد إلا عليك النوائح
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

ثم التفت إلىّ وقال: هيه يا أحمد! فتمثّلت بقول عبدة بن الطبيب:

عليك سلام الله قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة
تحيّة من أوليته منك نعمةإذا زار عن شحط بلادك سلّما
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

فبكى ساعة، ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو! فقال: نعم يا أمير المؤمنين:

بكّوا حذيفة لم تبكّوا مثلهحتى تعود قبائل لم تخلق
للشاعر عمرو بن مسعدة، اقرأ القصيدة

قال: فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بيننا؛ فقالت: اجعلوا لنا معكم فى القول نصيبا. فقال المأمون: قولى، فربّ صواب منك كثير. فقالت:

كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمرفليس لعين لم يفض ماؤها عذر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
كأنّ بنى العبّاس يوم وفاتهنجوم سماء خرّ من بينها البدر

فبكى وبكينا. ثم قال لها المأمون: نوحى، فناحت وردّ عليّها الجوارى. فبكى المأمون حتى قلت: قد فاضت نفسه وبكينا معه أحرّ بكاء، ثم أمسكت. فقال المأمون:

اصنعى فيه لحنا على مذهب النّوح وغنّى به؛ ففعلت وغنّته إياه على العود. فو الذى لا يحلف بأعظم منه لقد بكينا عليه غناء أكثر مما بكينا عليه نوحا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.