تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخبار من اشتهر بالحلم واتصف به

كان ممن اشتهر بالحلم الأحنف بن قيس. قيل له: ممّن تعلّمت الحلم؟

قال: من قيس بن عاصم المنقرىّ، رأيته قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه يحدّث قومه، حتى أتى بمكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك؛

قال: فو الله ما حلّ حبوته ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يابن أخى أثمت بربّك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمك؛ ثم قال لابن له آخر:

قم يا بنىّ فوار أخاك وحلّ كتاف ابن عمك وسق إلى أمّك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. وقد ساق أبو هلال هذه القصة بسند وزاد فيها زيادة حسنة نذكرها، فقال:

إن قيس بن عاصم لما فرغ من حديثه التفت إلى بعض بنيه، فقال: قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه. فبدأ بإطلاق القاتل قبل دفن المقتول.

وقال فى خبره: ثم اتّكأ على شقّه الأيسر وقال:

إنى امرؤ لا يعترى خلقىدنس يفنّده ولا أفن
من منقر فى بيت مكرمةوالفرع ينبت فوقه الغصن
خطباء حين يقول قائلهمبيض الوجوه مصاقع لسن
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة
لا يفطنون لعيب جارهموهمو لحفظ جواره فطن
للشاعر قيس بن عاصم المنقري، اقرأ القصيدة

وقيل: قتل للأحنف بن قيس ولد وكان الذى قتله أخ للأحنف، فجىء به مكتوفا ليقيده؛ فلما رآه الأحنف بكى، وأنشد:

أقول للنفس تأساء وتعزيةإحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبههذا أخى حين أدعوه وذا ولدى
للشاعر ابن الفضل القطان، اقرأ القصيدة

وممن اشتهر بالحلم «معاوية بن أبى سفيان». حكى أن رجلا خاطر رجلا أن يقوم إلى معاوية إذا سجد فيضع يده على كفله ويقول: سبحان الله يا أمير المؤمنين!

ما أشبه عجيزتك بعجيزة أمّك هند! ففعل ذلك؛ فلما انفتل معاوية عن صلاته قال له: يا أخى، إن أبا سفيان كان محتاجا إلى ذلك منها؛ فخذ ما جعلوه لك. فأخذه؛ ثم خاطره آخر بعد ذلك أن يقوم إلى زياد وهو فى الخطبة فيقول: أيها الأمير، من أمّك، ففعل؛ فقال زياد: هذا يخبرك، وأشار إلى صاحب الشّرطة، فقدّمه وضرب عنقه؛ فلما بلغ ذلك معاوية قال: ما قتله غيرى، ولو أدّبته على الأولى ما عاد إلى الثانية.

قيل: ودخل خريم الناعم على معاوية بن أبى سفيان فنظر معاوية إلى ساقيه، فقال: أىّ ساقين! لو أنهما على جارية! فقال له خريم: فى مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين؛ فقال: واحدة بواحدة والبادئ أظلم.

وقيل: خاطر رجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص وهو فى الخطبة فيقول له: أيها الأمير، من أمّك؛ ففعل؛ فقال عمرو: النابغة بنت عبد الله أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ؛ فاشتراها عبد الله بن جدعان فوهبها للعاصى بن وائل فولدت له فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئا فخذه.

وقيل: أسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره؛ فقال: لا عليك، إنما أردت أن يستفزّنى الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك اليوم ما تناله منّى غدا، انصرف إذا شئت.

حكى صاحب العقد عن ابن عائشة أن رجلا من أهل الشأم دخل المدينة، قال: فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابّة منه، قال: فمال قلبى إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علىّ بن أبى طالب، فامتلأ قلبى بغضا له وحسدت عليّا أن يكون له ولد مثله، فصرت إليه فقلت: أنت

ابن أبى طالب؟ قال: أنا ابن ابنه؛ قلت: قلت فيك وفى أبيك أشتمهما، فلما انقضى كلامى، قال: أحسبك غريبا؛ فقلت: أجل؛ قال: فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاونّاك؛ فانصرفت وما على الأرض أحبّ إلىّ منه.

حدّث زياد عن مالك بن أنس قال: بعث إلىّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاوس؛ فأتينا فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون بها الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، ثم أطرق عنا طويلا، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال:

حدّثنى عن أبيك؛ قال: نعم،

سمعت أبى يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله فى حكمه فأدخل عليه الجور فى عدله»

؛ فأمسك ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابى من ثيابه مخافة أن يملأنى من دمه؛ ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظنى يابن طاوس؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ

؛ قال مالك:

فضممت ثيابى من ثيابه مخافة أن يملأنى دمه؛ فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبيته، ثم قال: يابن طاوس ناولنى هذه الدواة؛ فأمسك؛ فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عنّى؛ فقال ابن طاوس: ذلك ما كنّا نبغى منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله.

وقيل: دخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله عن مسألة؛ فقال: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك الرشيد؛ وذكر قوله فلم يعجب المأمون، فقال:

لقد تتيّست فيها وتتيّس مالك؛ فقال الحارث بن مسكين: فالسامع يا أمير المؤمنين من التيسين أتيس؛ فتغيّر وجه المأمون، وقام الحارث وندم على ما كان منه؛ فلم يستقرّ فى منزله حتى أتاه رسول المأمون، فأيقن بالشرّ ولبس ثياب أكفانه، ثم أقبل حتى دخل عليه، فقرّ به المأمون من نفسه، ثم أقبل عليه بوجهه وقال له: يا هذا، إنّ الله ﵎ قد أمر من هو خير منك بإلانة القول لمن هو شرّ منّى، قال لنبيّه موسى ﷺ إذا أرسله إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى

فقال الحارث بن مسكين: يا أمير المؤمنين، أبوء بالذنب وأستغفر الربّ؛ فقال: عفا الله عنك، انصرف إذا شئت.

وقد مدح الشعراء ذوى الحلم، فمن ذلك قول بعضهم:

لن يدرك المجد أقوام وإن كرمواحتّى يذلّوا- وإن عزّوا- لأقوام
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
ويشتموا فترى الألوان مسفرةلا ذلّ عجز ولكن ذلّ أحلام

وقال آخر:

لقد أسمع القول الذى هو كلّماتذكّرنيه النفس قلبى يصدّع
فأبدى لمن أبداه منّى بشاشةكأنّى مسرور بما منه أسمع
وما ذاك من عجز به غير أنّنىأرى أنّ ترك الشرّ للشرّ أدفع

وقال مهيار:

وإذا الإباء المرّ قال لك: انتقمقال خلائقك الكرام: بل احلم
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ما المجد إلا بالعزيمة فاعزِمِ»
شرع من العفو انفردت بدينهوفضيلة لسواك لم تتقدّم
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ما المجد إلا بالعزيمة فاعزِمِ»
حتّى لقد ودّ البرىء لو انّهأدلى إليك بفضل جاه المجرم
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «ما المجد إلا بالعزيمة فاعزِمِ»

وقال آخر:

فدهره يصفح عن قدرةويغفر الذنب على علمه
كأنّه يأنف من أن يرىذنب امرئ أعظم من حلمه

وقال آخر:

أسد على أعدائهما إن يذلّ ولا يهون
فإذا تمكّن منهمفهناك أحلم ما يكون

وقال محمود الورّاق:

إنّى وهبت لظالمى ظلمىوغفرت زلّته على علمى
ورأيته أسدى إلىّ يدالمّا أبان بجهله حلمى
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني شكرت لظالمي ظلمي»
فكأنّما الإحسان كان لهوأنا المسىء إليه فى الحكم
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني شكرت لظالمي ظلمي»
ما زال يظلمنى وأرحمهحتّى بكيت له من الظلم

وقال آخر:

وذى رحم قلّمت أظفار ضغنهبحلمى عنه حين ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامنىقطيعتها، تلك السفاهة والإثم
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة
فداويته بالحلم، والمرء قادرعلى سهمه ما كان فى كفّه السهم
لأستلّ منه الضّغن حتّى سللتهوإن كان ذا ضغن يضيق به الحزم

وقد كره بعضهم الحلم فى كل الأمور، فمن ذلك ما أنشد المبرّد:

أبا حسن ما أقبح الجهل بالفتىوللحلم أحيانا من الجهل أقبح
إذا كان حلم المرء عون عدوّهعليه فإنّ الجهل أعفى وأروح

وقال آخر:

ترفّعت عن شتم العشيرة إنّنىرأيت أبى قد عفّ عن شتمهم قبلى
حليم إذا ما الحلم كان جلالةوأجهل أحيانا إذا التمسوا جهلى

وقال آخر:

إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم

وقال الأحنف: آفة الحلم الذّلّ. وقال: لا حلم لمن لا سفيه له. وقال: ما قلّ سفهاء قوم إلا ذلّوا. وقال النابغة الجعدىّ:

ولا خير فى حلم إذا لم تكن لهبوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»
ولا خير فى جهل إذا لم يكن لهحليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

ولما أنشد هذين البيتين النبىّ ﷺ قال: «أجدت لا يفضض الله فاك»

؛ قال: فعاش مائة وثلاثين سنة لم تنفضّ له ثنيّة.

وقال كعب بن زهير:

إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخناأصبت حليما أو أصابك جاهل
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.