تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما ما قيل فى أسماء العساكر فى القلة والكثرة وأسماء مواضع القتال

-

قالوا: الكتيبة: ما جمع فلم ينتشر. والحضيرة: العشرة فمن دونهم. والمقنب والمنسر من الثلاثين الى الأربعين. والهيضلة: جماعة غير كثيرة. والرّمّازة: التى تموج من نواحيها. والجحفل: الجيش الكثير. والمجر: أكثر ما يكون.

وقال الثعالبىّ فى فقه اللغة عن أبى بكر الخوارزمىّ عن ابن خالويه: أقلّ العساكر الجريدة؛ ثم السريّة وهى من الأربعين الى الخمسين؛ ثم الكتيبة وهى من مائة الى ألف؛ ثم الجيش وهو من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والجحفل؛ ثم الخميس وهو من أربعة آلاف الى اثنى عشر ألفا؛ والعسكر يجمعها.

ولأسماء العساكر نعوت فى الكثرة وشدّة الشوكة.

فأما نعوتها فى الكثرة- فانه يقال: كتيبة رجراجة؛ جيش لجب؛ عسكر جرّار؛ جحفل لهام؛ خميس عرمرم.

وأما نعوتها فى شدّة الشوكة مع الكثرة- فإنه يقال: كتيبة شهباء اذا كانت بيضاء من الحديد؛ وخضراء إذا كانت سوداء من صدإ الحديد؛ وململمة إذا كانت مجتمعة؛ ورمّازة إذا كانت تموج من نواحيها؛ ورجراجة إذا كانت تتمخّض ولا تكاد تسير؛ [وجرّارة إذا كانت لا تقدر على السير] إلا رويدا من كثرتها.

وأما أسماء مواضع القتال- فمنها: الحومة؛ والمعركة؛ والمعترك؛ والمأقط؛ والمأزم، والمأزق.

وأما أسماء غبار الحرب- النّقع والعكوب: هو الغبار الذى يثور من حوافر الخيل وأخفاف الإبل. الرّهج والقسطل: غبار الحرب. الخيضعة: غبار المعركة.

وأما ما قيل فى الحروب والوقائع، وشىء مما وصفت به- قالوا: أبلغ ما قيل فى صفة الحرب قول الأوّل:

كأنّ الأفق محفوف بناروتحت النار آساد تزير

وقول الآخر:

ويوم كأنّ المصطلين بحرّهوإن لم يكن جمر وقوف على جمر
صبرنا له حتّى تجلّى، وإنماتفرّج أيام الكريهة بالصبر

وقال البحترىّ يصف جيشا اتّبع مقدّمه:

حمر السيوف كأنما ضربت لهمأيدى القيون صفائحا من عسجد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصَبَا الأصَائِلِ إنّ بُرْقَةَ مُنْشِدِ»
فى فتية طلبوا غبارك إنهرهج ترفّع عن طريق السّودد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصبا الأصائل إن برقة منشد»
كالرمح فيه بضع عشرة فقرةمنقادة خلف السّنان الأصيد
للشاعر البحتري، من قصيدة «أصبا الأصائل إن برقة منشد»

وقول النابغة الجعدىّ:

تبدوكوا كبه والشمس طالعةلا النّور نور ولا الإظلام إظلام

وقال أبو الفرج الببّغاء:

وموشيّة بالبيض والزّغف والقنامحبّرة الأعطاف بالضّمّر القبّ
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»
بعيدة ما بين الجناحين فى السّرىقريبة ما بين الكمينين فى الضرب
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»
من السالبات الشمس ثوب ضيائهابثوب تولّى نسجه عثير التّرب
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»
يعاتب نشوان القنا صاحى الظّباإذا التقيا فيها على قلّة الشّرب
أعادت علينا الليل بالنّقع فى الضّحىوردّت علينا الصبح فى الليل بالشهب
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»
تبلّج عن شمسى نزار ويعربوتفترّ عن طودى علا تغلب الغلب
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»
موقّرة يقتاد ثنى زمامهابصير بأدواء الكريهة فى الحرب
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»
أصحّ اعتزاما من خؤون على قلىوأنفذ حكما من غرام على صبّ
للشاعر الببغاء، من قصيدة «وموشية بالبيض والزغف والقنا»

وقال محمد بن أحمد بن عبد ربه:

ومعترك تهزّ به المناياذكور الهند فى أيدى ذكور
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ومعترك تهز به المنايا»
لوامع يبصر الأعمى سناهاويعمى دونها طرف البصير
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ومعترك تهز به المنايا»
وخافقة الذوائب قد أنافتعلى حمراء ذات شبا طرير
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ومعترك تهز به المنايا»
تحوّم حولها عقبان موتتخطّفت القلوب من الصدور
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ومعترك تهز به المنايا»
بيوم راح فى سربال ليلفما عرف الأصيل من البكور
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ومعترك تهز به المنايا»
وعين الشمس ترنو فى قتامرنوّ البكر من خلف الستور
فكم قصّرت من عمر طويلوكم طوّلت من عمر قصير

وقال أيضا:

ومعترك ضنك تعاطت كماتهكؤوس دماء من كلى ومفاصل
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وجيش كظهر اليم تنفخه الصبا»
يديرونها راحا من الرّوح بينهمببيض رقاق أو بسمر ذوابل
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وجيش كظهر اليم تنفخه الصبا»
وتسمعهم أمّ المنيّة وسطهاغناء صليل البيض تحت المناصل
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «وجيش كظهر اليم تنفخه الصبا»

وقال التّنوخىّ شاعر اليتيمة:

فى موقف وقف الحمام ولم يزغعن ساحتيه وزاغت الأبصار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فقنا تسيل من الدماء على قنابطوالهن تقصّر الأعمار
ورءوس أبطال تطاير بالظّبافكأنها تحت الغبار غبار

وقال ابن الخيّاط الأندلسىّ:

سيوف اذا اعتلّت جهات بغورةفمنهنّ فى أعناقهن تمائم
وكلّ خميس طبّق الجوّ نقعهوضيّق مسراه الجياد الصلادم
كأنّ نهار النقع إثمد عينهوأشفار عينيه الشّفار الصوارم
تعدّ عليه الوحش والطير قوتهااذا سار والتفّت عليه القشاعم

والبيت الأوّل مأخوذ من قول المتنبى:

وكان بها مثل الجنون فأصبحتومن جثث القتلى عليها تمائم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»

وقال الحمّانىّ:

وإنا لتصبح أسيافناإذا ما انتضين ليوم سفوك
منا برهن بطون الأكفّوأغمادهن رءوس الملوك

وقال حسّان:

إذا ما غضبنا بأسيافناجعلنا الجماجم أغمادها

قال رجل من بنى تميم لرجل عبادىّ: لم يكن لآل نصر بن ربيعة صولة فى الحرب.

فقال: لقد قلت بطلا، ونطقت خطلا؛ كانوا والله إذا أطلقوا عقل الحرب رأيت فرسانا تمور كرجل الجراد، وتدافع كتدافع الأمداد؛ فى فيلق حافتاه الأسل، يضطرب عليها الأجل؛ إذا هاجت لم تتناه دون إرادتها، ومنتهى غايات طلباتها؛ لا يدفعها دافع، ولا يقوم لها جمع جامع؛ وقد وثقت بالظفر لعزّ أنفسها، وأيقنت بالغلبة لضراوة عادتها؛ خصّت بذلك على العرب أجمعين.

قال جرير:

لقومى أحمى للحقيقة منكموأضرب للجبّار والنقع ساطع
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»
وأوثق عند المردفات عشيّةلحاقا إذا ما جرّد السيف لامع
للشاعر جرير، من قصيدة «ذكرت وصال البيض والشيب شائع»

ومن رسالة للفقيه الوزير أبى حفص عمر بن الحسن الهوزنى قال فيها: وكتابى على حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما تغيّر لورودها وجه الصعيد؛ بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الولد والوالد؛ تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى؛ فلا أيّمة إذ لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال فى قيد الأسرى؛ بل تعمّ الجميع جمّا جمّا فلا تخصّ، وتزدلف إليهم قدما قدما فلا تنكص؛ طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانفضاض، وطمّت حتى خشى على عمود الإسلام الانقضاض، وسمت حتى توقّع لجناح الدين الانهياض.

وفى فصل منها: وكأن الجمع فى رقدة أهل الكهف، أو على وعد صادق من الصّرف والكشف.

ومنها: وإن هذا الأمر له ما بعده، إلا أن يسنّى الله على يديك دفعه وصدّه.

وكم مثلها شوهاء نهنهت فانثنتوناظرها من شدّة النّقع أرمد
فمرّت تنادى: الويل للقادح الصّفالبعض القلوب الصخر أو هى أجلد !
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
وأبقت ثناء كاللطائم نشّرت،تبيد الليالى وهو غضّ يجدّد

وفى فصل منها فى الحرب: والحرب فى اجتلائها حسناء عروس تطّبى الأغمار بزّتها، وفى بنائها شمطاء عبوس تختلى الأعمار غرّتها؛ فالأقلّ للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد؛ فأخلق بمجيد عن مكانها، وعزلة فى ميدانها؛ فوقودها شكّة السلاح، وقتارها متصاعد الأرواح؛ فإن عسعس ليلها مرّة لانصرام، أو انجبس وبلها ساعة لانسجام؛ فيومها غسق يردّ الطّرف كليلا، ونبلها صيّب يزيد الخوف غليلا.

وقال فيها:

أعبّاد ضاق الذّرع واتّسع الخرقولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
ودونك قولا طال وهو مقصّروللعين معنى لا يعبّره النطق
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
إليك انتهت آمالنا فارم مادهىبعزمك يدمغ هامة الباطل الحق

وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجأ الدليل من ناط الأمور بأربابها؛ ولربّ أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب فى طىّ المكاره مدرج؛ فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبّق مضاربها فكأن قد أمكنك الحزّ؛ ولا غرو أن يستمطر الغمام فى الجدب، ويستصحب الحسام فى الحرب!.

ومن إنشاء القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ من جواب كتبه وصف فيه وقعة، كتب: ورد على المملوك كتاب المولى يذكر الرّجفة التى سرى منها الى أسماع الأولياء قبله ما سرى الى عيون الأولياء بحضرته؛ وتعاظمهم الفادح الذى هم راسبون فى غماره ساهون فى غمرته؛ ووصف عظم أثرها ورائع منظرها ومطعن هدّتها، ومزعج واقعتها وفظيع روعتها؛ واضطراب الجبال وخشوعها، وانشقاق الأبنية وصدوعها؛ وسجود الحصون الشّمّ، وخضوع الصخور الصّمّ؛ وجأر العباد إلى ربهم لما مسّهم من الضرّ، ولياذهم بقصده لما دهاهم من الأمر؛ فوصف عظيما بعظيم، ومثّل مقاما ما عليه صبر مقيم؛ وأنذر بانتقام قائم إلا أنه كريم، وجبّار إلا أنه حليم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون نقولها واضعين الخدود تذلّلا، وإنا فى سبيل الله وإنا إليه نائبون تخلّصا ونضمّنها بالقلوب إخلاصا وتبتّلا؛ وعرف المملوك ما وسع الخلق من معروفه وإرفاقه، وجبر الحصون من عمارته منازل التوحيد وأوكاره، بأمواله التى وقفها فى سبيل الله وهانت عليه إذ كان على يد البرّ إخراجها، وكرمت لديه إذ طالبت بها خطرات الشهوات واعتلاجها؛ واستقرضها من الأرض خراجا ثم وفّاها ما اقترض بعمرانها، واستخرجها من بطنانها ثم أعادها الى ظهرانها؛ وأرساها للإسلام بقواعد حصونها، وأسناها فى يد المسلمين بوثائق رهونها؛ ولم يزل الله يختصّه بكل حسنة متوضحة، ويوفّقه لكل صالحة مصلحة؛ وينعم عليه بالنية الصادقة، وينعم منه بالموهبة السابغة السابقة؛ فإن نزلت نازلة من وقائع الأقدار، وإن عرضت عارضة من عوارض الأيام، تلقّاها حامدا، وأسا جرحها جاهدا، وعوّل على ربه قاصدا، وأنفق فيما أصبح منه عادما ما أمسى له واجدا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.