من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما ورد فى الغزو فى البحر
عن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: حدّثتنى أمّ حرام أن النبىّ ﷺ قال يوما فى بيتها، فاستيقظ وهو يضحك؛ قالت: يا رسول الله، ما يضحكك؟
قال: «عجبت من قوم من أمتى يركبون البحر كالملوك على الأسرّة»؛ فقلت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم؛ قال: «أنت منهم»، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك مرتين أو ثلاثا؛ قالت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم، فيقول: «أنت من الأوّلين»
، فتزوّج بها عبادة بن الصّامت فخرج بها الى الغزو، فلما رجعت قرّبت دابّة لتركبها فوقعت فاندقّت عنقها.
وفى حديث آخر: «يركبون البحر الأخضر فى سبيل الله مثلهم كمثل الملوك على الأسرة»، قالت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلنى منهم؛ فقال: «اللهم اجعلها منهم» وأنه قال مثل ذلك ثانية؛ فقالت:
أدع الله أن يجعلنى منهم؛ قال: «أنت من الأوّلين ولست من الآخرين»
. وساق نحوه.
ومما قيل فى القتال فى البحر- قال العسكرى فى ديوان المعانى: لم يصف أحد من المتقدّمين والمتأخّرين القتال فى المراكب إلا البخترىّ، وعدّوا قصيدته هذه من عيون قصائده وفضّلوها على كثير من الشعر، وهى:
غدوت على «الميمون» صبحا وإنماغدا المركب الميمون تحت المظفّر
[أطلّ بعطفيه ومرّ كأنماتشرّف من هادى حصان مشهّر]
إذا زمجر النّوتىّ فوق علاتهرأيت خطيبا فى ذؤابة منبر
إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى لهجناحا عقاب فى السماء مهجّر
إذا ما انكفا فى هبوة الماء خلتهتلفّع فى أثناء برد محبّر
وحولك ركّابون للهول عاقرواكؤوس الرّدى من دارعين وحسّر
تميل المنايا حيث مالت أكفّهمإذا أصلتوا حدّ الحديد المذكّر
إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهمليقلع إلا عن شواء مقتّر
صدمت بهم صهب العثانين دونهمضراب كإيقاد اللّظى المتسعّر
[يسوقون أسطولا كأنّ سفينهسحائب صيف من جهام وممطر]
كأنّ ضجيج البحر بين رماحهمإذ اختلفت ترجيع عود مجرجر
تقارب من زحفيهم فكأنماتؤلّف من أعناق وحش منفّر
فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلىمقطّعة فيهم وهام مطيّر
على حين لا نقع يطرّحه الصّباولا أرض تلفى للصريع المقطّر
وكنت ابن «كسرى» قبل ذاك وبعدهمليئا بأن توهى صفاة ابن «قيصر»
جدحت له الموت الذّعاف فعافهوطار على ألواح شطب مسمّر
مضى وهو مولى الريح يشكر فضلهاعليه ومن يول الصّنيعة يشكر
وحيث ذكرنا الجهاد وفضله والوقائع والحروب، فلنذكر ما قيل فى المرابطة فى سبيل الله.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع