من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما النظم
- فهو عبارة عن توخى معانى النحو فيما بين الكلم، وذلك أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو بأن تنظر فى كل باب إلى قوانينه والفروق التى بين معانى اختلاف صيغه، وتضع الحروف مواضعها وتراعى شرائط التقديم والتأخير، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع حروف العطف على اختلاف معانيها، وتعتبر الإصابة فى طريق التشبيه والتمثيل.
وقد أطبق العلماء على تعظيم شأن النظم، وأن لا فضل مع عدمه ولو بلغ الكلام فى غرابة معناه إلى ما بلغ، وأنّ سبب فساده [ترك] العمل بقوانين النحو واستعمال الشىء فى غير موضعه.
ثم قال: الجمل الكثيرة إذا نظمت نظما واحدا فهى على قسمين:
الأوّل: أن لا يتعلّق البعض بالبعض ولا يحتاج واضعه إلى فكر ورويّد فى استخراجه، بل هو كمن عمد إلى اللآلئ ينظمها فى سلك، ومثاله قول الجاحظ
فى مصنّفاته: جنّبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعروف نسبا، وبين الصدق سببا، وحبّب اليك التثبّت، وزيّن فى عينك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عزّ الحقّ، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذلّ الطمع، وعرّفك ما فى الباطل من الذّلة، وما فى الجهل من القلّة. وكقول النابغة للنّعمان وتفضيله إياه على ذى فائش يزيد بن أبى جفنة، وكقول حسّان ابن ثابت للحارث الجفنّى يفضّله على النعمان بن المنذر، وكقول ضرار بن ضمرة لمعاوية فى وصف علىّ؛ وقد تقدّم شرح أقوالهم فى الباب الأوّل من القسم الثالث من هذا الفن فى المدح، وهو فى السفر الثالث فلا حاجة بنا الى إعادته. وهذا النظم لا يستحق الفضل إلا بسلامة معناه وسلامة ألفاظه، إذ ليس فيه معنى دقيق لا يدرك إلا بثاقب الفكر.
قال: وربما ظنّ بالكلام أنه من هذا الجنس ولا يكون منه، كقول الشاعر:
سالت عليه شعاب الحىّ حين دعاأنصاره بوجوه كالدنانير
فإن الحسن فيه ليس مجرّد الاستعارة، بل لما فى الكلام من التقديم والتأخير، ولهذا لو أزلت ذلك وقلت: سالت شعاب الحىّ بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره، فإنه يذهب بالحسن والحلاوة.
الثانى: أن تكون الجمل المذكورة يتعلّق بعضها ببعض، وهناك تظهر قوّة الطبع، وجودة القريحة، واستقامة الذّهن.
ثم [ليس] لهذا الباب قانون يحفظ، فإنه يجىء على وجوه شتّى:
منها الإيجاز، وهو العبارة عن الغرض بأقلّ ما يمكن من الحروف، وهو على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف، وقد تقدّم الكلام على ذلك وذكر أمثلته عند ذكر الفصاحة.
ومنها التأكيد- وهو تقوية المعنى وتقريره، إما بإظهار البرهان، كقول قابوس:
يا ذا الذى بصروف الدهر عيّرناهل عاند الدهر إلا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفوتستقرّ بأقصى قعره الدّرر
وفى السماء نجوم ما لها عددوليس يخسف إلا الشمس والقمر
وإما بالعزيمة، كقوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ
وقوله تعالى:
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
وكقول الأشتر النّخعىّ:
بقّيت وفرى وانحرفت عن العلاولقيت أضيافى بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارةلم تخل يوما من نهاب نفوس
يريد معاوية بن أبى سفيان، وكقول أبى نواس.
لا فرّج الله عنّى إن مددت يدىإليه أسأله من حبّك الفرجا
وكقول أبى تمّام:
حرمت مناى منك إن كان ذا الذىتقوّله الواشون حقّا كما قالوا
أو بالتّكرار، كقولهم: الله الله، والأسد الأسد، وكقول الحادرة:
أظاعنة وما تودّعنا هندوهند أتى من دونها النأى والبعد
وهذا فى التنزيل كثير، والعلم فيه سورة الرحمن.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع