تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما الطاعة والعصيان

- فإنه قال: هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعرّى عند نظره فى شعر أبى الطيّب، وسمّاه بهذه التسمية، وقال: هو أن يريد المتكلّم معنى من المعانى التى للبديع فيستعصى عليه لتعذّر دخوله فى الوزن الذى هو آخذ فيه فيأتى موضعه بكلام غيره يتضمّن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ويحصل به معنى من البديع غير الذى قصده، كقول المتنبىّ:

يردّ يدا عن ثوبها وهو قادرويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عواذل ذات الخال في حواسد»

فإنه أراد أن يقول: يردّ يدا عن ثوبها وهو مستيقظ، حتى إذا قال:

ويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد

يكون فى البيت مطابقة، فلم يطعه الوزن، فأتى بقادر فى موضع مستيقظ لتضمّنه معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظا وزيادة، فقد عصاه فى البيت الطباق وأطاعه الجناس بين قادر وراقد، وهو جناس العكس؛

وأنكر ابن أبى الإصبع أن يكون هذا الشاهد من باب الطاعة والعصيان، لأنه كان يمكنه أن يقول عوض قادر: ساهر، وإنما المتنبىّ قصد أن يكون فى بيته طباق معنوىّ، لأن القادر ساهر وزيادة، إذ ليس كلّ ساهر قادرا، وأن يكون فيه جناس العكس.

وقال: إن شاهد الطاعة والعصيان عنده أن تعصيه إقامة الوزن مع إظهار مراده، فتطيعه لفظة من البديع يتمّم بها المعنى وتزيده حسنا، كقول عوف بن محلّم:

إن الثمانين وبلّغتهاقد أحوجت سمعى إلى ترحمان
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا خير من ينبي على جوده»

فإنه أراد أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعى إلى ترجمان، فعصاه الوزن وأطاعه لفظة من البديع وهى التتميم، فزادته حسنا وكمّلت مراده، وكلّ التتميم من هذا النوع.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.