من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء من الأبيات الداخلة فى هذا الباب
فمن ذلك قول بعض الشعراء:
إنّى لعظم تشوّقىوشديد وجدى واكتئابى
أصبحت أحسد من يفوز بقربكم حتى كتابى
وقال آخر:
وما تأخّر كتبى عنك من مللطوبى لودّك يا بن السادة النّجب
لكن حسدت كتابى أن يراك وماأراك فاخترت إمساكى عن الكتب
[وقال آخر]:
عقت الرسائل طامعا أن نلتقىفأبى الزمان يتيح لى ما أطلب
وتأخّرت كتبى فقلت أعاتبفى ذاك أنت علىّ أم متعتّب
فإذا وجدتك فى الضمير ممثّلاأبدا تناجينى إلى من أكتب
وقال آخر:
الكتب تكتب للبعيد وانت من قلبى قريب
فإذا وجدتك فى الفؤاد فمن أكاتب أو أجيب
وقال آخر:
لو أنّ كتبى بقدر الشوق واصلةكانت إليك مع الأنفاس تتّصل
لكنّنى والذى يبقيك لى أبداعلى جميل اعتقادى فيك أتّكل
وقال آخر:
وفى الكتب نجوى من يعزّ لقاؤهوتقريب من لم يدن منه مزار
فلم تخلنى منها وتعلم أنّهالعينى وقلبى قرّة وقرار
وقال آخر:
سألتك عوّذنى بكتبك إنّ لىشياطين شوق لا تفارق مضجعى
إذا استرقت أسرار فكرى تمرّدابعثت إليها فى الدجى شهب أدمعى
وقال آخر:
أتبخل بالقرطاس والخط عن أخوكفّاك أندى بالعطايا من المزن
لعمرى لقد قوّى جفاؤك ظنّتىوأوهن تأميلى وما كان ذا وهن
وقال آخر:
أظنّ القراطيس فى مصركمتخوّنها ريب دهر خؤون
فلو أنها صفحات الخدود يكتب فيها بماء الجفون
لما أعوزتك ولكن جفوتفألقيت شأنى خلال الشؤون
وقال المتنبّى فى جواب كتاب ورد عليه:
بكتب الأنام كتاب وردفدت يد كاتبه كلّ يد
يعبّر عما له عندناويذكر من شوقه ما نجد
وقال أبو الفتح البستىّ:
لمّا أتانى كتاب منك مبتسمعن كل فضل وبرّ غير محدود
حكت معانيه فى أثناء أسطرهآثارك البيض فى أحوالى السود
وقال آخر:
طلع الفجر من كتابك عندىفمتى باللقاء يبدو الصباح
وقال آخر:
ولمّا أتانى بعد هجر كتابكموفيه شفاء الواله الدنف المضنى
سررت به حتى توهّمت أنهكتابى وقد أعطيته بيدى اليمنى
وقال آخر:
نفسى الفداء لغائب عن ناظرىومحلّه فى القلب دون حجابه
لولا تمتّع مقلتى بلقائهلوهبتها لمبشّرى بكتابه
وقال آخر:
ورد الكتاب مبشّرانفسى بأوقات السرور
وفضضته فوجدتهليلا على صفحات نور
مثل السوالف والخدود البيض زينت بالشعور
أنزلته منّى بمنزلةالقلوب من الصدور
وقال آخر فى كتاب عدم فلم يصل إليه:
نبّئت أنّ كتاباأرسلته مع رسول
ملأته منك طيبافضاع قبل الوصول
ومما يتصل بهذا الباب ويلتحق به، ويحتاج الكاتب إلى معرفته والاطلاع عليه الحجّة البالغة والأجوبة الدامغة.
فمن ذلك فى التنزيل قوله ﷿: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.
وقوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.
وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ.
وقوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا.
وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ.
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
وقال تعالى فى الدّلالة على إثبات نبوّة رسول الله ﷺ:
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
، فإنه ﷺ كان يعرف فى قريش بالصادق الأمين وقوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
ولمّا بعث رسول الله ﷺ قال: «يا معشر قريش لو قلت لكم إنّ خيلا تطلّع عليكم من هذا الجبل كنتم تصدّقونى ؟ قالوا: نعم؛ قال:
فإنّى «نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ»
فلمّا أقرّوا بصدقه خاطبهم بالإنذار، ودعاهم إلى الإسلام. فهذه حجج من الكتاب والسنّة لا جواب عنها ولمّا انتهى إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوم السّقيفة أنّ الأنصار قالت: منّا أمير ومنكم أمير؛ قال علىّ: فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله ﷺ أوصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؛ قالوا: وما فى هذا من الحجة عليهم؟ قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصيّة بهم.
ولمّا قال الحباب بن المنذر فى يوم السّقيفة أيضا: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، إن شئتم كررناها جذعة، منّا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجرىّ شيئا فى الأنصارىّ ردّه عليه الأنصارىّ، وإن عمل الأنصارىّ شيئا فى المهاجرىّ ردّه عليه المهاجرىّ؛ أراد عمر الكلام، فقال أبو بكر رضى الله عنه: على رسلك، نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس حسبا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة فى العرب، وأمسّهم رحما بالرسول صلّى الله
عليه وسلّم، أسلمنا قبلكم، وقدّمنا فى القرآن عليكم، وأنتم إخواننا فى الدّين، وشركاؤنا فى الفىء، وأنصارنا على على العدوّ، آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا، نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب الا لهذا الحىّ من قريش. قالوا: قد رضينا وسلّمنا.
قال بعض اليهود لعلى رضى الله عنه: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم؛ فقال: انما اختلفنا عليه لا فيه، ولكنكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وقال حاطب بن أبى بلتعة: لما بعثنى النبىّ ﷺ الى المقوقس ملك الإسكندريّة بكتابه، أتيته وأبلغته الرسالة، فضحك ثم قال: كتب إلىّ صاحبك يسألنى أن أتّبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيا أن يدعو الله فيسلّط علىّ البحر فيغرقنى فيكتفى مؤنتى، ويأخذ ملكى؟ قلت: ما منع عيسى ﵇ إذ أخذته اليهود فربطوه فى حبل، وحلقوا وسط رأسه، وجعلوا عليه إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التى صلبوه عليها على عاتقه، ثم أخرجوه وهو يبكى حتى نصبوه على الخشبة ثم طعنوه حيّا بحربة حتى مات- على زعمكم- فما منعه أن يدعو الله فينجيه ويهلكهم، ويكتفى مؤنتهم، ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريّا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله فقتله وبعث برأسه اليها حتى وضع بين يديها أن يسأل الله أن يحميه ويهلكهم؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما تخرج الحكم إلّا من عند الحكماء.
وخطب معاوية بن أبى سفيان ذات يوم وقال: إن الله تعالى يقول:
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)
فما نلام نحن؛ فقام اليه الأحنف بن قيس فقال له: يا معاوية، إنا والله ما نلومك على ما فى خزائن الله، وإنّما نلومك على ما آثرك الله [به] علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه.
وقال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أحمق قومك حين ملّكوا عليهم امرأة! قال: قومك أشدّ حماقة إذ قالوا: «اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم» أفلا قالوا: اهدنا له.
وقيل: مرّت امرأة من العرب بمجلس من مجالس بنى نمير، فرماها جماعة منهم بأبصارهم، فوقفت ثم قالت: يا بنى نمير، لا أمر الله تعالى أطعتم، ولا قول الشاعر سمعتم، قال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)
وقال الشاعر:
فغضّ الطرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
فما اجتمع منهم بعد ذلك اثنان فى مجلس.
وقيل: استعمل عتبة بن أبى سفيان رجلا من أهله على الطائف، فظلم رجلا من أزد شنوءة، فأتى الأزدىّ عتبة فقال:
أمرت من كان مظلوما ليأتيكمفقد أتاكم غريب الدار مظلوم
ثم ذكر ظلامته، فقال عتبة: إنّى أرى أعرابيّا جافيا، والله ما أحسبك تدرى كم تصلّى فى اليوم والليلة؛ فقال: إن أنبأتك ذلك تجعل لى عليك مسألة؟ قال:
نعم؛ فقال الأعرابىّ:
إنّ الصلاة أربع وأربعثم ثلاث بعدهنّ أربع
ثم صلاة الفجر لا تضيّع
قال: صدقت فاسأل؛ فقال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدرى؛ قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فأمر بردّ ظلامته عليه.
وقال الحجّاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاصى: بلغنى أنّك تشبه إبليس فى قبح وجهك؛ قال: وما ينكر الأمير من أن يكون سيّد الإنس يشبه سيّد الجنّ؟.
وقال لسعيد بن جبير: اختر لنفسك أىّ قتلة شئت؛ قال: اختر أنت فإنّ القصاص أمامك.
وحكى أن حويطب بن عبد العزّى بلغ عشرين ومائة سنة، ستين فى الجاهليّة وستين فى الإسلام، فلما ولى مروان بن الحكم المدينة دخل عليه حويطب، فقال له مروان: لقد تأخّر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الاحداث؛ فقال: والله لقد هممت
بالإسلام غير مرّة كلّ ذلك يعوقنى أبوك عنه وينهانى، ويقول: أتدع دين آبائك [لدين محدث] ؟! أما أخبرك عثمان ما كان قد لقى من أبيك حين أسلم.
وقيل: لمّا ظفر الحجّاج بابن الأشعث وأصحابه أمر بضرب أعناقهم، حتى أتى على رجل من تميم، فقال التميمىّ: أيها الأمير، والله لئن أسأنا فى الذنب ما أحسنت فى العقوبة؛ فقال الحجاج: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ الله تعالى يقول: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً)
فو الله ما مننت ولا فاديت؛ فقال الحجّاج: أفّ لهذه الجيف، أما كان منهم من يحسن مثل هذا؟ وأمر بإطلاق من بقى وعفا عنهم.
وحكى أن الرشيد سأل موسى بن جعفر فقال: لم قلتم إنّا ذرّيّة رسول الله ﷺ، وجوّزتم للناس أن ينسبوكم اليه ويقولوا: يا [بنى] نبىّ الله وأنتم
بنو علىّ، وانما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه؛ فقرأ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ)
وليس لعيسى أب، وانما لحق بذرّيّة الأنبياء من قبل أمّه؛ وكذلك ألحقنا بذرّيّة الرسول ﷺ من قبل أمّنا فاطمة- ﵍ وأزيدك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)
ولم يدع ﷺ فى مباهلة النصارى غير فاطمة والحسن والحسين، وهما الأبناء.
قيل: لما ولّى يحيى بن أكثم قضاء البصرة استصغر الناس سنّه، فقال له رجل: كم سنّ القاضى- أعزّه الله-؟ فقال: سنّ عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول الله ﷺ قضاء مكّة. فجعل جوابه احتجاجا.
قال يزيد بن عروة: لمّا مات كثير لم تتخلّف بالمدينة امرأة ولا رجل عن جنازته، وغلب النساء عليها، وجعلن يبكينه ويذكرن عزّة فى ندبهنّ له؛ فقال
أبو جعفر محمد بن علىّ الباقر: أفرجوا لى عن جنازة كثيّر لأرفعها، فجعلنا ندفع النساء عنها ومحمد بن علىّ يقول: تنحّين يا صويحبات يوسف؛ فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا بن رسول الله، لقد صدقت، إنّا لصويحباته، ولقد كنّا له خيرا منكم له؛ فقال أبو جعفر [لبعض مواليه]: احتفظ بها حتى تجيئنى بها إذا انصرفت؛ قال: فلما انصرف أتى بها وكأنّها شررة النار؛ فقال لها محمد بن علىّ: إيه، أنت القائلة: إنّكنّ ليوسف خير منّا؟ قالت: نعم، تؤمّننى غضبك يا بن رسول الله؟
فقال: أنت آمنة من غضبى فأنبئينى؛ فقالت: نحن دعوناه إلى اللّدّات من المطعم والمشرب والتمتّع والتنعّم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه فى الجبّ وبعتموه بأنجس الأثمان، وحبستموه فى السجن؛ فأيّنا كان عليه أحنى، وبه أرأف؟ فقال محمد:
لله درّك! لن تغالب امرأة إلّا غلبت؛ ثم قال لها: ألك بعل؟ فقالت: لى من الرجال من أنا بعله؛ فقال أبو جعفر: ما أصدقك! مثلك من تملك الرجل ولا يملكها؛ فلمّا انصرفت قال رجل من القوم: هذه فلانة بنت معقب.
وقال المأمون ليحيى بن أكثم: من الذى يقول:
قاض يرى الحدّ فى الزناء ولايرى على من يلوط من باس
فقال: يا أمير المؤمنين، هو الذى يقول:
شاهدنا يرتشى وحاكمنايلوط والراس شرّ ما راس
لا أحسب الجور ينقضى و على الأمّةوال من آل عبّاس
قال ومن هو؟ قال: أحمد بن [أبى] نعيم؛ فأمر بنفيه إلى السّند.
وحكى أنّ أهل الكوفة تظلّموا إلى المأمون من عامل ولّاه عليهم؛ فقال:
ما علمت فى عدد عمّالى أعدل ولا أقوم بأمر الرعيّة ولا أعود بالرفق عليهم منه؛ فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك، فاذا كان الأمر على هذه الصفة فينبغى أن تعدل فى ولايته بين أهل البلدان، وتسوّى بنا أهل الأمصار، حتى يلحق أهل كلّ بلد من عدله وإنصافه مثل الذى لحقنا، فاذا فعل أمير المؤمنين ذلك فلا يخصّنا منه أكثر من ثلاث سنين؛ فضحك المأمون وعزل العامل عنهم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع