من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء مما وصف به الأسد نثرا ونظما
قال أبو زبيد الطائىّ يصفه لعثمان بن عفّان- رضى الله عنه- وكان قد لقيه: أقبل يتضالع من بغيه، ولصدره نحيط، ولبلاعيمه غطيط؛ ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض؛ كأنّما يخبط هشيما، أو يطأ صريما؛ وإذا هامة كالمجنّ، وخدّ كالمسنّ؛ وعينان سجراوان، كأنّهما سراجان؛ وقصرة ربله، ولهزمة رهله؛ وساعد
مجدول، وعضد مفتول؛ وكفّ شثنة البراثن، ومخالب كالمحاجن؛ وفم أشدق كالغار الأخرق؛ يفترّ عن معاول مصقوله، غير مفلوله؛ فهجهجنا به ففرفر وبربر، ثمّ زأر فجرجر؛ ثم لحظ فخلت البرق يتطاير من جفونه، عن شماله ويمينه؛ فأرعشت الأيدى، واصطكّت الأرجل؛ وحجظت العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون.
ووصفه بعض الأعراب فقال: له عينان حمراوان مثل وهج الشّرر، كأنّما نقرتا بالمناقير فى عرض حجر؛ لونه ورد، وزئيره رعد؛ هامته عظيمه، وجبهته
شتيمه؛ نابه شديد، وشره عتيد؛ إذا استقبلته قلت: أقرع، وإذا استدبرته قلت:
أفرع؛ لا يهاب إذ اللّيل عسعس، ولا يجبن إذا الصبح تنفّس؛ ثم أنشد:
عبوس شموس مصلخدّ مكابرجرىء على الأقران للقرن قاهر
براثنه شثن وعيناه فى الدّجىكجمر الغضى فى وجهه الشرّ طائر
يدلّ بأنياب حداد كأنّهاإذا قلّص الأشداق عنها خناجر
ومن التهويلات فى وصف الأسد قول الشاعر:
إيّاك لا تستوش ليثا مخدراللهول فى غسق الدّجى دوّاسا
مرسا كأمراس القليب جدولهلا يستطيع له الأنام مراسا
شثن البراثن كالمحاجن عطّفتأظفاره فتخالها أقواسا
لان الحديد لجلده فإهابهيكفيه من دون الحديد لباسا
مصطكّة أرساغه بعظامهفكأنّ بين فصولها أجراسا
وإذا نظرت إلى وميض جفونهأبصرت بين شفورها مقباسا
وقال آخر:
توقّ- وقاك ربّ الناس- ليثاحديد النّاب والأظفار وردا
كأنّ بملتقى اللّحيين منهمذرّبة الأسنّة أو أحدا
وتحسب لمح عينيه هدوءاورجع زئيره برقا ورعدا
تهاب الأسد حين تراه منهاذا لاقينه فى الغاب فردا
تصدّ عن الفرائس حين يبدووكانت قبل تانف أن تصدّا
وقال أبو الطّيّب المتنبّى- ﵀:
ورد إذا ورد البحيرة وارداورد الفرات زئيره والنّيلا
متخضّب بدم الفوارس لابسفى غيله من لبدتيه غيلا
فى وحدة الرّهبان إلّا أنّهلا يعرف التحريم والتّحليلا
وقعت على الأردنّ منه بليّةنظمت بها هام الرفاق تلولا
يطأ البرى مترفّقا من تيههفكأنّه آس يجسّ عليلا
ويردّ غفرته إلى يافوخهحتّى تصير لرأسه إكليلا
قصرت مخافته الخطا فكأنّماركب الكمىّ جواده مشكولا
وقال عبد الجبّار بن حمديس:
وليث مقيم فى غياض منيعةأمير على الوحش المقيمة فى القفر
يوسّد شبليه لحوم فوارسويقطع كاللّصّ السبيل على السّفر
هزبرله فى فيه نار وشفرةفما يشتوى لحم القتيل على الجمر
سراجاه عيناه إذا أظلم الدّجىفإن بات يسرى باتت الوحش لا تسرى
له جبهة مثل المجنّ ومعطسكأنّ على أرجائه صبغة الحبر
يصلصل رعد من عظيم زئيرهويلمع برق من حماليقه الحمر
له ذنب مستنبط منه سوطهترى الأرض منه وهى مضروبة الظهر
ويضرب جنبيه به فكأنّماله فيهما طبل يحضّ على الكرّ
ويضحك فى التّعبيس فكّيه عن مدىنيوب صلاب ليس تهتمّ بالفهر
يصول بكفّ عرض شبرين عرضهاخناجرها أمضى من القضب البتر
يجرّد منها كلّ ظفر كأنّههلال بدا للعين فى أوّل الشهر
وقال بشر بن عوانة الفقعسىّ يصف ملاقاته الأسد وما كان بينهما:
أفاطم لو شهدت ببطن خبتوقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
إذا لرأيت ليثا رام ليثاهزبرا أغلبا لاقى هزبرا
تبهنس إذ تقاعس عنه مهرىمحاذرة فقلت: عقرت مهرا
أنل قدمىّ ظهر الأرض إنّىوجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له وقد أبدى نصالامذرّبة ووجها مكفهرّا
يدلّ بمخلب وبحدّ نابوباللّحظات تحسبهنّ جمرا
وفى يمناى ماضى الحدّ أبقىبمضربه قراع الموت أثرا
ألم يبلغك ما فعلت ظباهبكاظمة غداة لقيت عمرا
وقلبى مثل قلبك لست أخشىمصاولة ولست أخاف ذعرا
وأنت تروم للأشبال قوتاوأطلب لابنة الأعمام مهرا
ففيم تروم مثلى أن يولّىويترك فى يديك النفس قسرا ؟!
نصحتك فالتمس يا ليث غيرىطعاما إنّ لحمى كان مرّا
ولمّا ظنّ أنّ الغشّ نصحىوخالفنى كأنّى قلت هجرا
دنا ودنوت من أسدين رامامراما كان إذ طلباه وعرا
يكفكف غيلة إحدى يديهويبسط للوثوب علىّ أخرى
هززت له الحسام فخلت أنّىشققت به من الظلماء فجرا
حساما لو رميت به المنايالجاءت نحوه تعطيه عذرا
وجدت له بجائفة»
رآهابمن كذبته ما منّته غدرا
بضربة فيصل تركته شفعاوكان كأنّه الجلمود وترا
فخرّ مضرّجا بدم كأنّىهدمت به بناء مشمخرّا
وقلت له: يعزّ علىّ أنّىقتلت مناسبى جلدا وقهرا
ولكن رمت شيئا لم يرمهسواك فلم أطق يا ليث صبرا
تحاول أن تعلّمنى فرارالعمر أبيك قد حاولت نكرا
فلا تبعد لقد لاقاك حرّيحاذر أن يعاب فمتّ حرّا
وأمّا الببر [وما قيل فيه]
فهو سبع هندىّ، ويقال: حبشىّ؛ وهو فى صورة أسد كبير، أزبّ ملمّع بصفرة وسواد، ويقال: إنّه متولّد بين الزّبرقان واللّبؤة؛ وفى طبعه أنّه يسالم النّمر وغيره من السباع ما لم يستكلب، فاذا استكلب خافه كلّ شىء كان يسالمه، وهو والأسد متوادّان أبدا، ومودّته معه كمودّة الخنافس والعقارب والحيّات والوزغ؛ ويقال: إنّ الأنثى منه تلقح بالريح، ولهذا يقال: إنّ عدوه يشبه الرّيح سرعة، ولا يقدر أحد على صيده؛ وإنّما تسرق جراؤه فتحمل فى مثل القوارير من زجاج، ويركض بها على الخيول السوابق، فإن أدركهم أبوها رمى اليه بقارورة منها، فيشتغل بالنظر إليها والفكرة
فى إخراج جروه منها، فيفوته الآخذ لها؛ وزعم قوم أنه إذا استكلب ورآه الأسد رقد له حتّى يبول فى أذنه خوفا منه ورهبة له؛ هكذا نقل صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر، ولم أقف على شعر فى وصف الببر ولا رسالة فأوردها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع