تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الفهد

يقال للذّكر: الفهد، وللأنثى: فهدة «وهما البنّة، ولذلك يكنى أبابنّة »، وجروه الهوبر، والأنثى هبيرة؛ قال أرسطو: إنّ الفهد متولّد بين أسد ونمرة، أو لبؤة ونمر؛ ويقال: إنّ الفهدة إذا حملت وثقل حملها حنا عليها كلّ ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فاذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدّته لنفسها، حتى اذا علّمت أولادها الصيد تركتها؛ وبالفهد يضرب المثل فى شدّة النوم؛ قال بعض الشعراء:

رقدت مقلتى وقلبى يقظان يحسّ الأمور حسّا شديدا
يحمد النّوم فى الجواد كمالايمنع الفهد نومه أن يصيدا

وقال الجاحظ: قال صاحب المنطق: والفهد إذا اعتراه الداء الذى يقال له:

(خانقة الفهود) أكل العذرة فبرأ منه؛ قال: والسباع تشتهى رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها، وربّما قرب بعضها من بعض فيطمع الفهد فى نفسه، فإذا أراده الفهد وثب عليه السبع فأكله؛ قالوا: وليس شىء فى الحيوان فى جرم الفهد إلّا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابّة؛ والإناث أصعب خلقا وأكثر جراءة وإقداما من الذكور؛ ومن خلق الفهد الحياء، وذلك أنّ الرّجل يمرّ بيده على سائر جسده فيسكن لذلك، فإذا وصلت يده إلى مكان الثّفر قلق حينئذ وغضب؛ ويقال: أوّل من صاد بالفهد كليب وائل، وقيل: همّام بن مرّة، وكان صاحب لهو وطرب؛ وأوّل من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وأكثر من اشتهر باللّعب بها أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدّعوة العبّاسيّة، وأوّل من استسنّ حلقة الصيد المعتضد بالله؛ والمواضع التى توجد فيها الفهود ما يلى بلاد الحجاز إلى اليمن، وما يلى

الحجاز إلى العراق، وما يلى بلاد الهند الى تبّت، وتوجد أيضا فى برّيّة عيذاب من أعمال قوص من الدّيار المصريّة.

وقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظما ونثرا؛ فمن ذلك قول أبى إسحاق الصابى فى رسالة طرديّة جاء منها: ومعنا فهود أخطف من البروق، وأسرع من السهم حين المروق؛ وأثقف من اللّيوث، وأجرى من الغيوث؛ وأمكر من الثعالب وأدبّ من العقارب؛ خمص الخصور قبّ البطون، رقش المتون؛ حمر الآماق خزر الأحداق، هرت الأشداق؛ عراض الجباه غلب الرّقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب؛ تلحظ الظّباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها؛ تتبع مرابضها وآثارها، وتشمّ روائحها وأبشارها.

ومن رسالة طرديّة لضياء الدّين نصر الله بن الأثير الجزرىّ يصف فهدا بعد ان ذكر ظبيا، قال: فأرسلنا عليه فهدا سلس الضّريبه، ميمون النقيبه، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبه؛ كأنما ينظر من جمره، ويسمع من صخره، ويطأ من كلّ برثن على شفره؛ وله إهاب قد جبل من ضدّين: بياض وسواد، وصوّر على أشكال العيون فتطلّعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد؛ وهو يبلغ المدى الأقصى فى أدنى وثباته، ويسبق الفريسة ولا يقبضها إلّا عند التفاته.

وقال أحمد بن زياد بن أبى كريمة يصفها بعد أن وصف الكلب من ابيات:

بذلك أبغى الصيد طورا وتارةبمخطفة الأكفال رحب التّرائب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
مرقّقة الأذناب نمر ظهورهامخطّطة الاذان غلب الغوارب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
مدنّرة ورق كأنّ عيونهاحواجل تستوعى متون الرّواكب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
اذا قلّبتها فى الحجاج حسبتهاسنا ضرم فى ظلمة الليل ثاقب
مولّعة فطس الأنوف عوابستخال على أشداقها خطّ كاتب
نواصب للآذان حتّى كأنّهامداهن، للإجراس من كلّ جانب
ذوات أشاف ركّبت فى أكفّهانوافذ فى صمّ الصخور نواشب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
ذراب بلا ترهيف قين كأنّهاتعقرب أصداغ الملاح الكواعب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
فوارس ما لم تلق حربا، ورجلةإذا آنست بالبيد شهب الكتائب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
تروّ وتسكين يكون دريئةلهنّ «بذى الأسراب » فى كلّ لاحب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
تضاءل حتّى ما تكاد تبينهاعيون لدى الضّبرات غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث جريهاضراء مبلّات بطول التّجارب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
توسّد أجياد الفرائس أذرعامرمّلة تحكى عناق الحبائب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة

وقال ابن المعتزّ:

ولا صيد إلّا بوثّابةتطير على أربع كالعذب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
ملمّعة من نتاج الرّياحتريك على الأرض شيئا عجب
تضمّ الطريد إلى نحرهاكضمّ المحبّة من لا يحب
إذا ما رآى عدوها خلفهتناجت ضمائره بالعطب
لها مجلس فى مكان الرّديفكتركيّة قد سبتها العرب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
ومقلتها سائل كحلهاوقد حلّيت سبحا من ذهب
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «وحلو الدلال مليح الغضب»
متى أطلقت من قلاداتهاوطار الغبار وجدّ الطلب
غدت وهى واثقة أنّهاتقوم بزاد الخميس اللّجب

وقال محمد بن أحمد السّرّاج يصفه:

وأهرت الشّدق فى فيه وفى يدهما فى الصوارم والخطّيّة الذّبل
تساهم اللّيل فيه والنهار معافقمّصاه بجلباب من المقل
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لمتطلع لناظره إلّا على وجل

وقال آخر:

وأهرت الشّدق بادى السّخط مطّرح الحياءجهم المحيّا سيئ الخلق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة أعطتهالرّشاء جدا من ثوبها اليقق
ونقّطته حباء كى يسالمهاعلى المنايا نعاج الرمل بالحدق

وقال آخر:

تغاير اللّيل فيه والنهار معافحليّاه بجلباب من الحدق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لمتطلع على وجهه من شدّة الحنق

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.