تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الأرنب

قال أصحاب الكلام فى طبائع الحيوان: إنّ قضيب الأرنب كذكر الثعلب، أحد شطريه عظم، والآخر عصب؛ وربّما ركبت الأنثى الذكر حين السّفاد لما فيها من الشّبق، وتسفد وهى حبلى؛ وهى قليلة الإدرار على ولدها؛ ويزعمون أنّه يكون شهرين ذكرا، وشهرين أنثى؛ وحكى ابن الأثير فى تاريخه فى حوادث

سنة ثلاث وعشرين وستّمائة، قال: وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا، فرآها لها أنثيان وذكر وفرج أنثى، فلما شقّوا بطنها رأوا فيه خريقين. والأرنب تنام مفتوحة العينين، وسبب ذلك أنّ حجاجى عينيها لا يلتقيان؛ ويقال: إنّ الأرنب اذا رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد بالسواحل؛ وتزعم العرب أنّ الجنّ تهرب منها اذا حاضت؛ ويقال: إنّها تحيض كالمرأة، وتأكل اللّحم وغيره، وتجتر وتبعر، وفى باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها، وليس شىء قصير اليدين أسرع منها حضرا، ولقصرهما يخفّ عليهما الصعود؛ وهى تطأ الأرض على مؤخّر قوائمها تعمية لأثرها حتّى لا يعرفه الطالب لها، واذا قربت من المكان الذى تريد أن تجثم فيه وثبت إليه.

وفى الأرنب منافع طيّبة ذكرها الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا، قال: إنّ انفحة الأرنب حارّة يابسة ناريّة، تحلّل كلّ جامد من دم ولبن متجبّن وخلط غليظ، وتجمّد كلّ ذائب، وتمنع كلّ سيلان ونزف من النساء؛ قال: ولا شكّ أنّها مع ذلك مجفّفة، واذا شربت منعت من الصّرع، وكذلك سائر الأنافح، وهى رديئة للمعدة وإذا حملت بعد الطّهر ثلاثة أيّام بالخلّ منعت الحبل ونفت الرطوبة السائلة من

الرّحم، وتنفع من اختناق الرّحم؛ قال: ودم الأرنب ينفى الكلف؛ ورماد رأسه جيّد لداء الثعلب؛ واذا أخذ بطن الأرنب كما هو بأحشائه وأحرق قليا على مقلى كان دواء منبتا للشعر اذا سحق واستعمل بدهن الورد؛ ودماغه مشويّا ينفع من الرّعشة الحادثة عقيب المرض؛ وإذا حلّ دماغ الأرنب بسمن أو زبد أو عسل أسرع إنبات الأسنان، وسهل بغير وجع؛ ودم الأرنب مقلوّا ينفع من السّحج وورم الأمعاء والإسهال المزمن، وينفع من السّهام الأرمنيّة؛ هذا ما قاله الشيخ الرئيس فى الأرنب.

وقد وصف بعض كتّاب الأندلس عدّة من الأرانب، فقال: أفراد إخوان كأنّهنّ أولاد غزلان؛ بين روّاغ ينعطف انعطاف البره، ووثّاب يجتمع اجتماع الكره؛ حاك القصب إزاره، وصاغ التبرطوقه وسواره؛ قد غلّل بالعنبر بطنه، وجلّل بالكافور متنه؛ كأنّما تضمّخ بعبير، وتلفّع فى حرير؛ ينام بعينى ساهر، ويفوت بجناحى طائر؛ قصير اليدين، طويل السّاقين؛ هاتان فى الصعود تنجدانه، وتانك عند الوثوب تؤيّدانه؛ والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.