تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى النّعام

والنعامة تسمّى بالفارسية: أشترمرغ، ومعنى أشتر: جمل، ومرغ: طائر، فكأنّهم قالوا: جمل طائر؛ ومن أعاجيبها أنّها تضع بيضها عند الحضان، وتعطى كلّ بيضة منها نصيبها من الحضن، لأنّ بدنها لا يشمل جميع ما تحضنه، فانّها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين، وتخرج لطلب الطّعم، فتمرّ فى طريقها ببيض نعامة أخرى فتحضنه وتنسى بيضها؛ قال ابن هرمة:

وإنّى وتركى ندى الأكرمينوقدحى بكفّىّ زندا شحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

ويقال: إنها تقسم بيضها أثلاثا، منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره غذاء، ومنه ما تفتحه وتتركه فى الهواء حتى يعفن، وتتولّد من عفونته دوابّ، فتغذى بها

فراخها اذا خرجت؛ وكلّ ذى رجلين اذا انكسرت إحداهما استعان فى نهوضه وحركته بالثانية إلّا النّعامة، فانّها تبقى فى مكانها جاثمة حتى تهلك جوعا؛ قال الشاعر:

إذا انكسرت رجل النّعامة لم تجدعلى أختها نهضا ولا بآستها حبوا

والعرب تزعم أنّ الظّليم أصلم، وأنّه عوّض عن السّمع بالشّمّ، فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه الى سمع، والعرب تقول فى أمثالها: «أحمق من نعامة»، قالوا: لأنّها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها فى كثيب رمل وتقدّر فى نفسها أنّها قد استخفت منه؛ والنّعام قوىّ الصبر على العطش، شديد العدو، وأشدّ ما يكون عدوه اذا استقبل الريح، وهو فى عدوه يضع عنقه على ظهره، ثم يخترق الريح؛ والنّعامة تبتلع العظم والحجر والحديد فيصير فى جوفها كالماء، وتبتلع الجمر؛ وهو يصاد بالنار كسائر الوحش، فإنه إذا رأى النار دهش ووقف فيتمكّن منه الصائد.

وقد وصفها إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ فقال:

ولربّ طيّار خفيف قد جرىفشلا بجار خلفه طيّار
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «سمح الخيال على النوى بمزار»
من كلّ فاجرة الخطا مختالةمشى الفتاة تجرّ فضل إزار
مخضوبة المنقار تحسب أنّهاكرعت على ظمإ بكاس عقار
للشاعر ابن خفاجه، من قصيدة «سمح الخيال على النوى بمزار»
لا تستقرّ بها الأداحى خشيةمن ليل ويل أو نهار بوار

[وقال الحمّانىّ]:

قد ألبس الليل حتى ينثنى خلقاوأركب الهول بالغرّ الغرانيق
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
وانتحى لنعام الدّو ملهبةكأنّها بعض أحجار المجانيق
تسدى الرياح بها ثوبا وتلحمهكما تلبّس من نسج الخداريق
كأنّما ريشها والريح تفرقهأسمال راهبة شيبت بتشقيق
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
كأنّها حين مدّت رؤسها فرقاسود الرجل تعادى بالمزاريق
كأنّ أعناقها وهنا اذا خفقتبها البلاقع أدقال الزواريق
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
فما استلذّ بلحظ العين ناظرهاحتّى تغصّص أعلاهنّ بالرّيق
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.