تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ومما يستحبّ من أوصافها فى الخلق

- الأذن المؤلّلة، والناصية المعتدلة التى ليست بسفواء ولا غمّاء، والجبهة الواسعة، والعين الطامحة السامية، والخدّ الأسيل، ورحب المنخرين، وهرت الشّدقين- قال الشاعر:

هريت قصير عذار اللّجامأسيل طويل عذار الرّسن
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «هريت قصير عذار اللجام»

قوله: «قصير عذار اللجام»: لم يرد به قصر خدّه، وإنما أراد طول شقّ الفم.

ويدلّ على ذلك قوله فى البيت:

أسيل طويل عذار الرّسن

يريد طول خدّه- وقود العنق (لينها حتى لا تكون جاسئة)، ورقّة الجحفلتين، وارتفاع الكتفين والحارك والكاهل.

قالوا: ويستحبّ أن يشتدّ مركّب عنقه فى كاهله لأنه يتساند إليه اذا أحضر، وعرض الصدر، وضيق الزّور، وارتفاع اللسان، وأن يشتدّ حقوه لأنه معلّق وركيه ورجليه فى صلبه، وعظم جوفه وجنبيه، وانطواء كشحه، وإشراف القطاة، وقصر العسيب، وطول الذنب، وشنج النّسا، واستواء الكفل حتى لا يكون أقرن، وملاسة الكفل، وقصر الساقين، وطول الفخذين، وتوتير الرّجلين حتى لا يكون أقسط، وتأنيف العرقوبين حتى لا يكون أقمع، وغلظ الرّسغ، وأن تكون الحوافر صلابا سودا أو خضرا.

وحكى أن هارون الرشيد ركب فى سنة خمس وثمانين ومائة الى الميدان لشهود الحلبة، قال الأصمعىّ: فدخلت الميدان لشهودها، فجاء فرس أدهم لهارون الرشيد سابقا يقال له «الرّبد»؛ فسرّ به الرشيد وابتهج وقال: علىّ بالأصمعىّ، فنوديت من كل جانب، فأقبلت سريعا حتى مثلت بين يديه؛ فقال: يا أصمعىّ، خذ بناصية «الرّبد» ثم صفه من قونسه الى سنبكه، فإنه يقال: إن فيه عشرين اسما من أسماء الطير؛ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأنشدك شعرا جامعا لها من قول أبى حزرة؛ قال:

فأنشدنا لله أبوك!؛ فأنشدته:

وأقبّ كالسّرحان تمّ لهما بين هامته الى النّسر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

الهامة: أعلى الرأس. والنّسر: ما ارتفع من بطن الحافر من أعلاه. وهما من أسماء الطير.

رحبت نعامته ووفّر فرخهوتمكّن الصّردان فى النّحر

النعامة: جلدة الرأس التى تغطّى الدّماغ. والفرخ: الدّماغ. والصّردان:

عرقان فى أصل اللسان، ويقال: إنهما عرقان يكتنفان باطن اللسان. وفى الظهر أيضا صرد يكون فى موضع السّرج من أثر الدّبر. والنعامة والفرخ والصّردان من أسماء الطير.

وأناف بالعصفور فى سعفهام أشمّ موثّق الجذر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

العصفور: أصل منبت شعر الناصية، وهو أيضا عظم ناتئ فى كل جبين، وهو أيضا من الغزر. والسّعف: يقال: فرس أسعف اذا سالت ناصيته. وهام أى سائل. والشّمم: ارتفاع قصبة الأنف. وموثق الجذر أى شديد. والجذر:

الأصل من كل شىء.

وازدان بالدّيكين صلصلهونبت دجاجته عن الصّدر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

الديكان: واحدهما ديك وهو العظم الناتئ خلف الأذن، وهو الذى يقال له الخشّاء والخششاء. والصلصل: بياض فى طرف الناصية، ويقال: هو أصل

الناصية. والدّجاجة: اللّحم الذى على زوره بين يديه. والدّيك والصّلصل والدّجاجة من الطير.

والنّاهضان أمرّ جلزهمافكأنما عثما على كسر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

الناهضان: واحدهما ناهض، وهو لحم المنكبين، ويقال: هو اللحم الذى يلى العضدين من أعلاهما. والناهض: فرخ العقاب. وقوله: «أمرّ جلزهما» أى فتل وأحكم، يقال: أمررت الحبل أى فتلته. والجلز: الشدّ. وقوله:

فكأنما عثما على كسر

أى كأنهما كسرا ثم جبرا. والعثم: الجبر على عقدة وعوج.

مسحنفر الجنبين ملتئمما بين شميته الى الغرّ
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

قوله: «مسحنفر الجنبين» أى منتفخهما. ملتئم أى معتدل. والشيمة: من قولك: فرس أشيم: بيّن الشامة. والغرّ فى الطير الأغلب الذى يسمّى الرّخمة.

وهى من الفرس عضلة السّاق.

وصفت سماناه وحافرهوأديمه ومنابت الشعر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

السّمانى: طائر وهو موضع من الفرس ربما أراد به السّمامة، وهى دائرة تكون فى سالفة الفرس. والسّمامة أيضا من الطير. وأيمه: جلده.

وسما الغراب لموقعيه معافأبين بينهما على قدر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

الغراب: رأس الورك، ويقال للصّلوين الغرابان، وهما مكتنفا عجم الذنب، ويقال: هما ملتقى أعلى الوركين. والموقعان: ما فى أعالى الخاصرتين. وقوله:

فأبين بينهما على قدر

أى فرّق بينهما على استواء واعتدال.

واكتنّ دون قبيحه خطّافهونأت سمامته على الصّقر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

قوله: واكتّن أى استتر. والقبيح: ملتقى الساقين، ويقال: إنه مركّب الذراعين فى العضدين. والخطّاف: هو حيث أدركت عقب الفارس اذا حرّك رجليه؛ ويقال لهذين الموضعين من الفرس المركلان. ونأت أى بعدت.

والسّمامة: دائرة تكون فى عنق الفرس. والصقر: دائرة فى الرأس. والخطّاف والسّمامة والصقر من أسماء الطير.

وتقدّمت عنه القطاة لهفنأت بموقعها عن الحرّ
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

القطاة: مقعد الردف. والحرّ: سواد فى ظاهر أذنى الفرس. وهما من الطير.

يقال: إن الحرّ ذكر الحمام.

وسما على نقويه دون حداتهخربان بينهما مدى الشّبر

النّقوان: واحدهما نقو والجمع أنقاء، وهو عظم ذو مخّ. وعنى هاهنا عظام الوركين، لأن الخرب هو الذى تراه مثل المدهن فى ورك الفرس. وهو من الطير ذكر الحبارى. والحدأة: سالفة الفرس. وهى من الطير.

يدع الرّضيم اذا جرى فلقابتوائم كمواسم سمر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

الرّضيم: الحجارة، يفلقها بتوائم أى بحوافره. والمواسم: جمع ميسم الحديد؛ أى أنها كمواسم الحديد فى صلابتها. وقوله: سمر أى لون الحافر. والحافر الأسمر هو الصّلب.

ركّبن فى محض الشّوى سبطكفت الوثوب مشدّد الأسر
للشاعر جرير، من قصيدة «وأَقبَّ كالسِّرحان تم له»

الشوى هاهنا: القوائم، يقال: فرس محض الشّوى إذا كانت قوائمه معصوبة.

سبط: سهل. كفت الوثوب أى مجتمع. مشدّد الأسر أى الخلق.

قال الأصمعىّ: فأمر لى بعشرة آلاف درهم.

فهذه جمل من أوصاف محاسنها. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما وصفها به الشعراء فى أشعارها والفضلاء فى رسائلها، على ما تقف على ذلك فى موضعه.

فلنذكر عيوب الخيل:

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.