تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأمّا النّمل والذّرّ وما قيل فيهما

- قال الله ﷿: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)

. وجاء فى الحديث أنّ رسول الله ﷺ نزل منزلا

فانطلق لحاجة فجاء من حاجته وقد أوقد رجل على قرية نمل إمّا فى شجرة وإمّا فى الأرض؛ فقال رسول الله ﷺ: «من فعل هذا أطفئها أطفئها أطفئها». وعن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال:

«نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فعضّته نملة فقام إلى نمل كثير تحت الشجرة فقتلهنّ فقيل له: أفلا نملة واحدة». وعنه رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نزل نبىّ من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بقرية النّمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحن الله فهلّا نملة واحدة». وجاء فى الأثر: أنّ سليمان بن داود ﵉ خرج يستسقى، فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهى تقول: اللهم إنّا خلق من خلقك، ليس لنا غنى عن سقيك؛ فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تميتنا وتهلكنا. فقال للناس: ارجعوا، فقد سقيتم بدعاء غيركم.

وقال الجاحظ: وكان ثمامة يزعم أنّ النمل ضأن الذّرّ. قال: والذى عندى أنّ النمل والذرّ مثل الفأر والجرذ، والبقر والجواميس. قال: والذّرّ أجود فهما وأصغر جثّة.

وزعم ابن أبى الأشعث أنّ النمل لا يتزاوج ولا يتوالد ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شىء حقير فى الأرض فينمو حتى يصير بيظا فيتكوّن منه.

والنمل من الحيوان المحتال فى طلب المعاش يتفرّق لذلك؛ فإذا وجد شيئا أنذر الباقين فيأتين إليه ويأخذن منه. وكلّ واحد مجتهد فى إصلاح شأن العامّة

غير مختلس لشىء من الرزق دون صحبه. ويقال: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها ومن تحيّله فى طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ما يمنعه من الوصول إليه من ماء أو شعر، فيتسلّق فى الحائط ويمشى على جذع من السّقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقى نفسه عليه. وفى طبعه وعادته أن يحتكر فى زمن الصيف لزمن الشتاء. وهو إذا خاف على ما يدّخره من الحبوب من العفن والسّوس أو التّندّى من مجاورة بطن الأرض، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى تيبس ثم يعيدها. وإن خاف على الحبّ أن ينبت من نداوة الأرض نقر فى موضع القطمير من وسط الحبّة (وهو الموضع الذى يبتدئ منه النّبات)؛ ويفلق جميع الحبّ أنصافا؛ فإن كان من حبّ الكزبرة فلقه أرباعا، لأن أنصاف حبّ الكزبرة تنبت. فالنمل من هذا الوجه فى غاية الحزم. فسبحان الملهم لا إله غيره.

وليس شىء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غير النملة.

والنّمل يشمّ ما ليس له ريح ممّا لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحا. ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته. وفى ذلك يقول أبو العتاهية:

وإذا استوت للنّمل أجنحةحتّى يطير فقد دنا عطبه

ومن أصناف النّمل صنف يسمّى «نمل الأسد»؛ سمّى بذلك لأن مقدّم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخّرها كالنّمل. وزعم بعض من تكلّم فى طبائع الحيوان أنه متولّد، وأن أباه أكل لحما، وأمّه أكلت نباتا، فنتج بينهما على هذه الصفة.

وقد وصفه الشعراء؛ فمن ذلك قول شاعر:

غزاة يولّى الليث عنهنّ هارباوليست لها نبل حداد ولا عمد
قصار الخطا حمش القوائم ضمّرمشمّرة لا تشتكى الأين والحرد
وتعدو على الأقران فى حومة الوغىنشاطا كما يعدو على صيده الأسد
إذا ذكرت طيب الهياج تنّفستتنفّس ثكلى قد أصيب لها ولد
كأكراد زنجان تريد قضاضةوتلك الصّعاليك الغرائب فى البلد
وفيهنّ أجناس تشابهن صورةوباينّ فى الهمّات واللون والجسد
فمنهنّ كمت كالعناكيب أرجلاوساع الخطا قد زان أجيادها الغيد
إذا انتهرت طارت وإن هى خلّدترأت ورد أحواض المنايا من الرّشد
وسود خفاف الجسم لو عضّت الصّفارأيت الصّفا من وقع أسنانها قدد
يفدن علينا مفسدات جفانناوأزوادنا أبغض إلينا بما وفد

وقال أبو هلال العسكرىّ:

وحىّ أناخوا فى المنازل باللّوىفصاروا به بعد القطين قطينا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
إذا اختلفوا فى الدار ظلّت كأنهاتبدّد فيها الريح بزر قطونا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
إذا طرقوا قدرى مع الليل أصبحتبواطنها مثل الظواهر جونا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشواكما مرّ مرعوب يخاف كمينا
ويمشون صفّا فى الديار كأنمايجرّون خيطا فى التراب منينا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وفى كل بيت من بيوتى قريةتضمّ صنوفا منهم وفنونا
فيا من رأى بيتا يضيق بخمسةوفيه قريّات يسعن مئينا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.