من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما البلبل
- وهو «العندليب»، وتسميه أهل المدينة «النغر».
وهو طائر أغبر الرأس لطيف القدّ، مأواه الشجر.
قال الجاحظ: البلبل موصوف بحسن الصوت والحنجرة. ومن شأنه إذا كان غير حاذق أن يطارحه إنسان بشكل صوته، فيتدرّب ويتعلّم ويحسن صوته.
وقد وصف أبو هلال العسكرىّ البلابل فقال:
مررت بدكن القمص سود العمائمتغنّى على أطراف غيد نواعم
زهين بأصداغ تروق كأنّهانجوم على أعضاد أسود فاحم
ترى ذهبا منهنّ تحت مآخرلها ولجينا نطنه بالقوادم
وقال آخر:
كيف ألحى وقد خلعت على اللهوعذارى وقد هتكت قناعى
وتعشّقت بلبلا أنا منهفى انزعاج إلى الصّبا والتياع
أنا من ريشه المدبّج فى زهر ومن شجو صوته فى سماع
ومن رسالة ذكرها العماد الأصفهانىّ الكاتب فى الخريدة، وهى لبعض فضلاء أصبهان، ذكر فيها وصف الرّياض ومفاخرة الرّياحين، وفضّل فيها الورد، وانتهى بعد ذكر الورد إلى وصف البلابل، فقال:
«فلما ارتفع صدر النّهار، وانقطع جدال الأزهار؛ سمع من خلل الحديقة زقزقة عندليب، قد اتخذ وكرا على حاشية قليب؛ كان يستتر به عن الجمع، ويجعله دريئة لاستراق السّمع. وحين أتقن ما وعاه، وأودعه سمعه وأرعاه؛ انتحى غصنا رطيبا، فأوفى عليه خطيبا؛ ثم قال: يا فتنة الخليقه، لقد جئت بالشّنعاء الفليقه؛ وربّ بسم استحال احتداما، ولن تعدم الحسناء ذاما. إلام ترفل فى دلال زهوك، وتغفل عن رذائل سهوك! وحتّام تتيه على الأكفاء والأقران، كأنّك أنت صاحب القرآن! ألست من عجبك بنفسك، واسترابتك بأبناء جنسك؛ لا تزال مشتملا شوك الغصون، معتصما منها بأشباه المعاقل والحصون!. لكنك متى انقضى مهبّ الشّمال، وعدل عن اليمين إلى الشّمال؛ خيف عليك نفح الإحراق، وتعّريت من حلل الأوراق؛ وأصبحت للأرض فراشا، وتلعّب بك الهواء فعدت فراشا. ثم ما قدر جورتك حتى تجور! وهل ينتج حضوره إلا الفجور!. هذا إذا كنتم على الأصل الثابت، وعرفتم فى أكرم المغارس والمنابت؛ فكيف وأنتم بين رملّى وجبلىّ، ونهبورىّ أو تيهورىّ. وهب أنك ورهطك تفرّدتم بممايلة القدود، وتوحّدتم بمشابهة الخدود؛ وصرتم درر البحور، وعلّقتم على الجباه والنّحور؛ وتحوّلتم جمانا ومرجانا، وحلّيتم مناطق وتيجانا؛ أقدرتم على
مباراة الشّحارير»
، ومجاراة القمارى النّحارير! أم ملكتم تهييج البلابل، قبل أصوات البلابل! أم وجدتم سبيلا إلى ولوج القلوب والأسماع، واتّخاذ الطّرب والسّماع؟! هيهات هيهات، بعد عنكم ما فات! بل نحن ذوات الأطواق، وبنات الغصون والأوراق؛ إنما يكمل صيتكم بنغمات أصواتنا، ويزهو غناؤكم بصحة غنائنا؛ ويحسن تمايل دو حكم بترنّمنا ونوحنا، ويروق غديركم بهديرنا، ويشوق تهديلكم بهديلنا.
لم تزالوا حملة أثقالنا، رمهود أطفالنا؛ وجياد شجعاننا، ومنابر خطبائنا. فروعكم محطّ أرحلنا، ورءوسكم مساقط أرجلنا. إذا أوفى مطربنا على عوده، وعبث بملوى عوده؛ وشدّ المثالث والمثانى، شدّ الثّقلين الأوّل والثانى؛ فقد أحيا باللحن الأيكىّ، وبذّ يحيى المكّىّ؛ وأعاد إبراهيم، كحاطب الليل البهيم؛ وخرق له أثواب
مخارق طربا وحسدا، ولم يسلم منه سليم غيظا وكمدا؛ وأخذ قلب ابن جامع بمجامعه، وطوّقه من الإقرار غلّا بمجامعه؛ حتى كأنّه بصحّة ضربه وإتقان أوتاره، يطلب عندهم قديم أحقاده وأوتاره.
فهى تصبى الأبصار لونا قريباوتسرّ الأسماع ضربا بعيدا
خضب الكفّ من دم القلب وابتزّ سويداءه فطوّق جيدا
أعجمىّ اللّسان مستعرب اللحن يعيد الخلّى صبّا عميدا
كلّ وقت تراه من فرط شجومظهرا فى الغناء لحنا جديدا
تارة يجعل النّشيد بسيطاويعيد البسيط طورا نشيدا
معبد لو رآه أصبح عبداولبيد أمسى لديه بليدا
ضلّ عن إلفه وأقلقه الوجد فأمسى بكاؤه تغريدا
لو عارض الخليل فى عروضه لبكّته، أو ناظر ابن السّكّيت فى إصلاحه لسكّته؛ أو جادل الفارسىّ لفرسه وجذله، أو نازل الكوفىّ لأكفأه عن رتبته وأنزله».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع