تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأمّا الهدهد وما قيل فيه

- والهدهد طائر معروف. وقال الجاحظ فيه: والعرب كانوا يزعمون أن القنزعة التى على رأسه ثواب من الله ﷿ على ما كان من برّه لأمّه، لمّا ماتت جعل قبرها فى رأسه؛ فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة. وهو طائر منتن البدن من جوهره وذاته. والأعراب يجعلون ذلك

النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التى كانت على رأسه. ويستدلّون على ذلك بقول أميّة بن أبى الصّلت حيث يقول من أبيات:

غيم وظلماء وغيث سحابةأزمان كفّن واستراد الهدهد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «تعلم فإن الله ليس كصنعه»
يبغى الفرار لأمّه ليجنّهافبنى عليها فى قفاه يمهد
مهدا وطيئا فاستقلّ بحملهفى الطير يحملها ولا يتأوّد
من أمّه فجزى بصالح حملهاولدا وكلّف ظهره ما يعقد
فتراه يدلج ماشيا بجنازةبقفاه ما اختلف الجديد المسند

وزعم صاحب الفراسة: أن سبب نتنه أنّه يطلب الزّبل؛ فإذا وجده نقل منه وابتنى بيتا منه؛ فإذا طال مكثه فى ذلك البيت، وفى مثله ولد، اختلط ريشه وبدنه بتلك الرائحة فورث ابنه النّتن، كما ورثه هو من أبيه، وكما ورثه أبوه من جدّه. قال شاعر:

وأنتن من هدهد ميّتأصيب فكفّن فى جورب

ويقال عنه: إنه يرى الماء فى باطن الأرض كما يراه الإنسان فى باطن الزّجاج.

وزعموا: أنه كان دليل سليمان ﵇ على الماء ولذلك تفقّده، على أحد أقوال المفسر بن لكتاب الله تعالى.

وقال الجاحظ فيه: إنه وفىّ حفوظ؛ وذلك أن الذكر إذا غابت عنه أنثاه لم يأكل ولم يشرب، ولا يزال يصيح حتى تعود إليه، فإن لم تعد لا يسفد بعدها أنثى أبدا، ولا يزال يصيح عليها ما عاش، ولم ينل بعدها من طعم بل ينال منه ما يمسك رمقه.

ووصفه أبو الشّيص فقال:

لا تأمننّ على سرّى وسرّكمغيرى وغيرك أوطىّ القراطيس
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
أو طائر سأجلّيه وأنعتهما زال صاحب تنقير وتدسيس
سود براثنه ميل ذوائبهصفر حمالقه فى الحسن مغموس
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
قد كان همّ سليمان ليذبحهلولا سعايته فى ملك بلقيس
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال آخر من أبيات:

كأنّه إذ أتاه من قرى سبإمبشّرا قد كساه تاج بلقيس
يبدو له فوق ظهر الأرض باطنهاكما تبدّت لنا الأقذاء فى الكوس

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.