من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأمّا الزّرزور
- فيقال: إنّه ضرب من الغراب يسمّى «الغداف»؛ ويقال:
إنّه «الزّاغ». وهو يقبل التعليم، ولا يرى إلّا فى أيام الربيع. ولونه أرقط لكن السواد أغلب. وقد يوجد فى لونه الأبيض، وهو قليل جدّا.
وقال بعض شعراء الأندلس:
يا ربّ أعجم صامت لقّنتهطرف الحديث فصار أفصح ناطق
جون الإهاب أعير قوّة صفرةكاللّيل طرّزه وميض البارق
حكم من التّدبير أعجزت الورىورأى بها المخلوق لطف الخالق
وقال آخر:
أمنبر ذاك أم قضيبيقرعه مصقع خطيب
يختال فى بردتى شبابلم يتوضّح بها مشيب
أخرس لكنّه فصيحأبله لكنّه لبيب
وقال الوزير أبو القاسم بن الجدّ الأندلسىّ من رسالة كتبها إلى الوزير أبى الحسن ابن سراج جوابا عن رقعة وصلت منه إليه، يشفع لرجل يعرف بالزّريزير؛ ابتدأها بأن قال:
حسنت لك أبا الحسن ضرائب الأيام، وتشوّفت نحوك غرائب الكلام، واهتزّت لمكاتبتك أعطاف الأقلام، وجادت على محلك ألطاف الغمام، وأشادت بفضلك ونبلك أصناف الأنام. فإن كان روض العهد أعزّك الله لم يصبه من تعهّدنا طلّ ولا وابل، ولا سجعت على أيكه ورق ولا بلابل؛ فإن أزهاره على شرب الصّفاء نابته، وأشجاره فى ترب الوفاء راسخة ثابته. وقد آن الآن لعقم شجره أن تطلع من الثمر ألوانا، ولعجم طيره أن تسجع من النّغم ألحانا؛ بما سقط لدىّ ووقع علىّ من طائر شهىّ الصفير، مبنىّ الاسم على التصغير؛ فإنه رجّع باسمك حينا، وابتدع فى نوبة شكرك تلحينا، وحرّك من شوقى إليك سكونا، ودمّث فى قلبى لودّك وكونا. ثم أسمعنى أثناء ترنّمه كلاما وصف به نفسه، لو تغنّت به الورقاء، لأذنت له العنقاء؛ أو ناح بمثله الحمام، لبكى لشجوه الغمام؛ أو سمعه قيس ابن عاصم فى ناديه، وبين أعاديه، لحلّ الزّمع حباه، واستردّ الطّرب صباه:
كلاما لو ان البقل يزهى بمثلهزها البقل واخضرّ الغضا بمصيف
فتلقّيت فضل صاحبه بالتّسليم، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم.
وبعد، فإنى أعود إلى ذكر [ذلك] الحيوان الغريد، والشيطان المريد؛ فأقول:
لئن سمّى بالزّريزير، لقد صغّر للتكبير؛ كما قيل: حريقيص وسقطه يحرق الحرج، ودويهية وهى تلتهم الأرواح والمهج. ومعلوم أنّ هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور فى فهم التلقين، وحسن اليقين. فإذا علّم الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطق لسانه بالقبيح، وتراه يقوم كالنصيح، ويدعو للخير بلسان فصيح. فمن أحبّ الاتّعاظ، لقى منه قسّ إياد بعكاظ؛ أو مال إلى سماع البسيط والنشيد، وجد عنده نخب الموصلىّ للرشيد. فطورا يبكيك بأشجى من مراثى أربد»
، وحينا يسلّيك بأحلى من أغانى معبد. فسبحان من جعله هاديا خطيبا، وشاديا مطربا مطيبا. ولما طار ببلاد الغرب ووقع، ورقى فى أكنافها وصقع؛ وعاين ما اتّفق فيها فى هذا العام من عدم الزيتون، فى تلك البطون والمتون؛ أزمع عنها فرارا، ولم يجد بها قرارا؛ لأن هذا الثمر بهذا الأفق هو قوام معاشه، وملاك انتعاشه؛ إليه يقطع، وعليه يقع؛ كما يقع على العسل الذّباب، وتقطع إلى العراد الضّباب؛ فاستخفّه هائج التذكار، نحو تلك
الأوكار؛ حيث يكتسى ريشه حريرا، ويحتشى جوفه بريرا، ويحتسى قراحا نميرا، ويغتدى على رهطه أميرا. فخذه إليك، نازلا لديك، ماثلا بين يديك؛ يترنّم بالثّناء، ترنّم الذباب فى الرّوضة الغنّاء؛ وقد هزّ قوادم الجناح، لعادة الاستمناح؛ وحبّر من لمع الأسجاع، ما يصلح للانتجاع؛ واثقا بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه حدائقه، ولا تلفحه ودائقه؛ لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه، وفرض حياضه؛ مع أنه لا يعدم فى جنابك حبّا نثيرا، وخصبا كثيرا، وعشّا وثيرا..
فإذا ما أراد كنت رشاءوإذا ما أراد كنت قليبا
والله تعالى يكفيه فيما ينوبه شرّ الجوارح، ويقيه شؤم السانح والبارح؛ بمنّه وكرمه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع