تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر صفة كرسىّ سليمان ﵇ وما انتهى إليه أمره

قالوا: وكان مما عمله صخر الجنىّ لسليمان- ﵇ الكرسىّ، وكان سليمان أمره باتخاذه ليجلس عليه للقضاء، وأمره بأن يعمله بديعا مهولا بحيث إنه إذا رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب.

قال: فعمل له الكرسىّ وكان من أنياب الفيلة وفصّصه بالياقوت واللؤلؤ، والزّبرجد وأنواع الجوهر، وحفّه بأربع نخلات من ذهب، شماريخها من الياقوت

الأحمر والزّبرجد الأخضر، على رأس نخلتين طاووسان من ذهب، وعلى رأس النخلتين الأخربين نسران من ذهب، بعضها يقابل بعضا، وجعل مقابل جنبى الكرسىّ أسدين من ذهب، على رأس كل أسد منهما عمود من الزّمرّد الأخضر، وعقد على النخلات أشجار كروم من الذهب، عناقيدها من الياقوت الأحمر.

قالوا: وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسىّ كله بما فيه دوران الرحا المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وكذلك كان يفعل فى كل درجة يصعد فيها سليمان. فإذا استوى سليمان بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان، ثم يستدير الكرسىّ بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان، والأسدان مائلان برءوسهما إلى سليمان، ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب جاثمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسىّ التوراة، فيفتحها سليمان- ﵇ ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء. فإذا دعا بالبيّنات [و] تقدّمت الشهود لإقامة الشهادات دار الكرسىّ بما فيه من جميع ما حوله دوران الرحا المسرعة.

قال أبو إسحاق الثعلبىّ قال معاوية لوهب بن منبّه: ما الذى كان يدير ذلك الكرسىّ؟ قال: بلبلتان من ذهب. قال: فإذا دار الكرسىّ بسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتها فتفزع منها الشهود ويداخلهم الرعب الشديد، فلا يشهدون إلا بالحق.

قال: فلمّا توفّى الله سليمان- ﵇ وجاء بختنصّر إلى بيت المقدس أخذ الكرسىّ وحمله الى أنطاكية، وأراد أن يصعد عليه ولم يكن له علم بالصعود عليه ولا معرفة بأحواله. فلما وضع قدمه على الدرجة رفع الأسد يده اليمنى فضربه ضربة شديدة دقّه ورماه، فحمل بختنصّر، فلم يزل يعرج منها ويتوجّع إلى أن مات. وبقى الكرسىّ بأنطاكية حتى غزاهم ملك من ملوك الشام يقال له كداس بن سدارس فهزم خليفة بختنصّر وردّ الكرسى الى بيت المقدس، فلم يستطع أحد من الملوك الصعود اليه. فوضع تحت الصخرة فغاب فلم يعرف له خبر ولا يدرى أين هو.

والله أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.