من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر وادى النمل وما قيل فيه
قال: ولمّا سار سليمان لقصد الغزو مرّ فى طريقه بوادى النمل. قال الكسائىّ:
إنه مرّ بوادى السدير (واد من الطائف) فأتى وادى النمل. قال الكسائىّ: فنظر إليهم وإذا هم يزيدون على مائة ألف كردوس مثل السحاب، وهم زرق العيون، ولهم أيد وأرجل. فقال سليمان: إنى أرى سحابة فى الأرض لا أعلم ما هى.
فحملت إليه الريح قول النملة كما أخبر الله تعالى عنها: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها
. قال: ونزل الناس معه، فقال: أتدرون ما هذا السواد؟ هذه أمّة من الأمم يقال لها النمل، وأخبرهم بقول النملة، وسجد وسجدوا شكرا لله تعالى. ودخلت النمل مساكنها زمرة بعد زمرة، والنملة تناديهم:
الوحا الوحا فقد وافتكم الخيل. فصاح بها سليمان وأراها الخاتم فجاءته خاضعة، فوقفت بين يديه وهى أكبر من الذئب، فسجدت بين يديه ثم قالت:
يا نبىّ الله، ما سجدت قبلك إلا لأبيك إبراهيم، وهأنا بين يديك مرنى بأمرك.
فقال: ما الذى تكلّمت به قبل وصولى إليك؟ قالت: يا نبىّ الله، إنى رأيتك فى موكبك وعسكرك، فناديت النمل أن يدخلوا مساكنهم لئلّا يحطمهم جندك، وأنا كمثل غيرى من الملوك أريد الإصلاح لقومى. فقال لها: كم عددكم؟
وما تأكلون وما تشربون؟ قالت: يا نبىّ الله، لو أمرت الجنّ والشياطين أن يحشرونا إليك لعجزوا، وليس على وجه الأرض واد ولا جبل ولا غابة إلا وفى أكنافها مثل سلطانك كراديس من النمل. ولو تفرّق كردوس واحد فى الأرض لما وسعته. ولقد خلقنا قبل أبيك آدم، وإنا لنأكل رزق ربنا ونشكره. فأمرها أن تعرض النمل عليه. فنادتهم، فمرّوا به زمرة بعد زمرة، وسلّموا عليه بلغاتهم وهو ينظر إليهم. فقالت: ملكة النمل: يا نبىّ الله، منّا ما يأوى الجبال، ومنّا ما يأوى قرب المياه والأشجار والزرع، وفى الهواء وهى الطيّارة، فإذا نبتت أجنحتها هلكت واختطفتها الطير. والنملة لا تموت حتى يخرج من ظهرها كراديس من النمل. وليس على ظهر الأرض أحرص من النملة؛ وإنها لتجمع فى صيفها ما يملأ بيتها وهى مع ذلك تظن أنها لا تشبع. وتسبيحها تسأل ربّها أن يوسّع الرزق على خلقه. قال الثعلبىّ قال الضحّاك: اسم النملة [التى كلمت سليمان] «طاحية » وقيل: «حرمى ».
والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع