تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر بلقيس وابتداء أمرها

قال الكسائىّ قال كعب: هى بلقيس بنة ذى شرح، وهى متولّدة من الإنس والجنّ. وأمّها عميرة بنت ملك الجنّ. وكان لاتصال ذى شرح والد بلقيس بعميرة بنت ملك الجنّ سبب عجيب نذكره على ما حكاه الكسائىّ، قال: أهلك الله تعالى مساكن سبأ بسيل العرم، على ما نذكر ذلك فى كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وهو يلى أخبار ملوك قحطان، وذلك فى الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الخامس

فى السفر الثالث عشر من هذه النسخة. قال: فلما انقرضوا وأبادهم الفناء توارثها بعدهم جماعة من الملوك ليس هذا موضع ذكرهم، حتى انتهى الملك إلى رجل فظّ غليظ يقال له شراحى الحميرىّ. وكان من عادته مع قومه أنه افترض على أهل مملكته فى كل أسبوع أن يأتوه بجارية من بناتهم فيفتضّها ثم يردّها إلى أهلها. وكان ذو شرح وزيره وهو من أبناء ملوك حمير من ولد سبأ، وكان لذى شرح ألف قصر وألف فرس عتيق وألف سيف يمان، وكان يرجع الى حسن وجمال وعقل، وكان مولعا بالصيد، فكانت الجنّ تتصوّر له فى صورة الظبى، فإذا صادهم وهمّ بذبحهم كلّموه وقالوا له: لا تعجل فإنّا إنما جئنا لننظر الى محاسن وجهك. وكانت الجنّ تؤذى أهل اليمن، فأقسم ذو شرح أن يقتل ملك الجنّ ويتزوّج بابنته. قال: وكان اسم ملك الجنّ عمير، وكان حسن الوجه، وابنته عميرة. فمرّ ذو شرح ذات يوم فى واد من بلاد اليمن كثير الأشجار فنزل به، حتى جنّة الليل، وكان فى جمع قليل من أصحابه، وكان الوادى الذى نزل به من مساكن الجنّ. فلما مضى بعض الليل سمع همهمة الجنّ، فقام ونادى: يا معشر الجنّ، قد نزلت بكم الليلة على أن تضيفونى فإنى جار لكم، فأسمعونى من أشعاركم. قال: فأنشدته الجنّ من أشعارها، وجاءته عميرة بنت عمير ملك الجن على أحسن صورة. فلما نظر إليها ذهل عقله من حسنها، وغابت عن عينه فشغف بحبّها فقال: يا معشر الجنّ، إن أنتم زوّجتموها منى وإلّا كنت حربا لكم ما عشت أبدا. فنادوه: يا ذا شرح، إنك آدمىّ فكيف تقاتل الجنّ ومسكنهم الهواء وظلمات الأرض! مهلا أيها الآدمىّ لا تعرّض نفسك الى ما لا تقدر عليه وارجع، فإن قدّر لك أمر فسوف تناله. فلما سمع ذلك أيس

من التزويج وأخذ فى مستأنف أمره فى مؤالفة الجنّ، فكان يهاديهم بما يصلح لهم من الهدايا، فصافاه عمير ملك الجنّ وآخاه وألفه حتى صار عنده كالأخ. فلما رأى ذلك ذو شرح وأنه قد تمكّن من ملك الجنّ قال له: هل لك أن تزوّجنى ابنتك عميرة ليكون لى فى ذلك شرف الى الممات! فرغب فيه عمير ملك الجنّ لحسنه وجماله وشرفه وماله؛ فزوّجه ابنته بحضرة سادات الجنّ. وانصرف ذو شرح الى مدينة سبأ وأهدى هدايا كثيرة الى ملك الجنّ وسادات قومه، ثم زفّت إليه فوطئها فحملت منه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.