من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر لوقا الحوارىّ مع ملك فارس
قال: وأصبح لوقا على باب مدينة من مدائن فارس، وهى التى يسكنها الملك، فإذا غلمان من أبناء الملوك وأبناء الوزراء جلوس على قارعة الطريق يلعبون.
فجلس الحوارىّ الى جانب غلام منهم وسأله كيف يلعب، فغلب جميع أولئك.
فلمّا تفرّقوا دعاه الغلام الى منزله، فقال له: اذهب الى أبيك واستأذنه فى ذلك.
فانطلق الغلام الى أبيه وأخبره بخبر الشيخ، فأذن له أن يأتيه به، فرجع اليه وقال له: إنّ أبى يدعوك، فأقبل معه. فلمّا ولج باب الدار قال: بآسم الله، فخرج كل شيطان فى الدار، وصاحب الدار ينظر الى ذلك، وكانت الشياطين تظهر لهم وتشاركهم فى طعامهم وشرابهم، فعجب صاحب الدار من ذلك. وقدّم الطعام فأقبلت الشياطين لتأكل على عادتها، فقال لوقا: باسم الله، فنفرت الشياطين وفرّت من الدار. فقال الشيخ: قد رأيت منك اليوم ما لم أره من أحد، وإنّ لك لشأنا، وخلا به وقال:
لابدّ أن تخبرنى خبرك ولا تكتمنى أمرك. قال: على أن تكتمه ولا تذكره إلّا أن
آذن لك، قال نعم. فاستوثق منه وأخبره بخبره. ثم قال له لوقا: أخبرنى أىّ مال الملك أحبّ اليه وأعجب عنده؟ قال: ما شىء من ماله أحبّ اليه وأعجب عنده من برذون حتى إنه يركبه من سريره. ثم أقام مدّة، فقدّم البرذون إلى الملك ليركبه على عادته، فلما صار الى جانب السرير خرّ ميّتا، فشقّ ذلك على الملك وآلمه وقال:
وددت لو فديته بمال عظيم، وحزن جلساء الملك وخواصّه لحزنه. قال: وجاء الرجل الى لوقا وقد حزن لحزن الملك، فسأله عن سبب حزنه فذكر له قصّة البرذون، فقال له: ارجع الى الملك وقل له: إنى أحييه له إن أطاعنى فيما أقول. فرجع الى الملك وأخبره بذلك، وقال: إنّ هذا الرجل لمّا عبر الى منزلى نفرت منه الشياطين ولم تطعم من طعامنا، وكانت تأكل معنا قبل ذلك وتشرب كما علمت، وقد قال:
إن أطاعنى الملك أحييت له برذونه. فقال الملك: إنّ نفسى لتطيب بكل شىء أحيى به هذا البرذون، فعلىّ بالرجل، فأحضره إلى الملك. فلمّا دخل الدار لم يبق بها شيطان إلا خرج. ثم جلس لوقا إلى جانب الملك، فقال له: بلغنى أنك تحيى الموتى، فأحى لى برذونى هذا. فقال له: إن أطعتنى فيما أقول لك أحى برذونك.
قال الملك: مرنى بما شئت. قال: ادع ابنك وامرأتك، وكان ابنه ولىّ عهده وامرأته منه بمكان، فدعاهما، فأخذ لوقا بقائمة من قوائم البرذون، وكلّ من الملك وابنه وامرأته بقائمة، ثم قال الحوارىّ بالفارسية: «اللهمّ ربّ السموات والأرض، خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، أحى هذا العضو الذى فى يدى» فتحرّك ذلك العضو. ثم قال للملك: قل كما قلت، فقال الملك مثل قوله. فتحرّك العضو الذى فى يده. ثم قال لابنه: قل كما أقول، فقال فتحرّك العضو الثالث، ثم قال لامرأته: قولى كما قلت، فدعت بدعائه، فتحرّك العضو الذى فى يدها. ثم قال لهم: قولوا جميعا كما أقول، فقالوا كلهم: «اللهم
ربّ السموات والأرض خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك أحى هذا البرذون». فقام البرذون حيّا ينفض ناصيته. فعجب الملك والناس من ذلك. وسأله الملك عن خبره فأخبره أنه رسول عيسى بن مريم إليه والى قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، فآمنوا به. وقد قيل: إن الذى أرسل إلى أرض فارس متى الحوارىّ، وإنه لمّا دخل على الملك كان الملك سكرانا، فلمّا أحيا الفرس أمر الملك أصحابه بقتل متّى فقتلوه. فلمّا أفاق الملك من سكره سأل عنه فقيل له: إنك أمرت بقتله فقتلناه، فقال: ما علمت بذلك. فقاموا إليه وغسلوه وكفّنوه ودفنوه. ويقال: إنّ الله تعالى بعد دفنه خسف بالملك وأولاده وأهله. والله أعلم. ولنصل أخبار الحواريّين بخبر جرجيس وإن لم يكن منهم، فقد كانت له قصّة عجيبة تلتحق بهم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع