من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر رفع عيسى ﵇ أوّل مرة وهبوطه إلى الأرض ووصيّته إلى الحواريّين ورفعه ثانيا
قال: رفع الله تعالى عيسى لثلاث ساعات مضت من النهار، فلبث فى السماء أيّاما، قيل سبعة أيام، وقيل أربعين يوما. والله أعلم. ثم قال الله له: إنّ أعداءك اليهود أعجلوك عن الوصيّة والعهد إلى أصحابك، فانزل اليهم واعهد لهم وأوصهم، وانزل على مريم المجدلانيّة فإنها فى غار فى جبل الجليل. وكانت مريم المجدلانيّة من قرية من قرى أنطاكية يقال لها مجدل. وكانت من أوسط نساء بنى اسرائيل حسبا، وكانت أجمل نسائهم وأكثرهم مالا، وكانت تستحاض فلا تطهر أبدا وخطبها أشراف بنى إسرائيل وملوكهم وامتنعت من إجابتهم، فظنّوا أنّ ذلك ترفّعا منها، وإنما كان بسبب ما يعرض لها. فلمّا ظهر عيسى ﵇ وشاع ذكره أتته فى جملة المرضى ليشفيها، فخجلت أن تسأله لكثرة الناس حوله، فجاءت من ورائه فمسّته بيدها فزال عنها ما كانت تشكوه وطهرت وآمنت بعيسى، وأنفقت مالها فيما أمرها به من وجوه البرّ، وصارت فقيرة وتبتّلت وتخلّت للعبادة، وكانت تعدّ من أصحاب عيسى.
قال: وأمر الله تعالى عيسى أن يأمرها أن تجمع له الحواريّين، وأن يستخلف عليهم شمعون، وأن يفرّقهم دعاة إلى الله ﷿ فى البلاد، وأن يخبرهم بالعلامة التى تأتيهم من الله. ثم أهبطه الله تعالى على مريم فاشتعل الجبل نورا، وأتته بالحواريّين، فبلّغهم
رسالة ربهم، وقال: إن آية ذلك أن تأتيكم الملائكة فى ليلتكم هذه بمغارف فيها نور من نور الله، فكلّ من تناول مغرفة منها فليلحس النور الذى فيها فإنه يصبح وقد تكلّم بلغة القوم الذين بعث إليهم ويصبح وهو على باب مدينتهم. قال:
والليلة التى هبط عيسى فيها هى الليلة التى تدخّن فيها النصارى باللّبان. قال: فلمّا فرغ عيسى من وصيّته الى الحواريّين رفع بعد سبعة أيام، وتوفّاه الله تعالى لثلاث ساعات من النهار، ثم كساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه المطعم والمشرب وصار ملكيّا إنسيّا. قال وهب: برز عيسى ﵇ للناس يوم برز وهو ابن ثلاثين سنة، ولبث فيهم فى نبوّته وفيما كان الناس يرونه منه من العجائب والآيات ثلاث سنين، ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ عن أهل التاريخ أن الله تعالى أوحى الى عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وقد ورد فى الحديث ما يدلّ على أنه رفع وله مائة وخمس وعشرون سنة. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى آخر السيرة النبوية على ما تقف إن شاء الله عليه هناك.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع