تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر الخصائص والآيات والمعجزات التى أظهرها الله تعالى على يد عيسى ﵇ بعد مبعثه

قال الله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي

الآيات. قوله تعالى:

اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ

قال الحسن: ذكر النعمة: شكرها، وأراد بقوله: نِعْمَتِي

نعمى، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها

. ثم ذكر تعالى النعم فقال:

إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ

وقال: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

. واختلفوا فى روح القدس ما هو؟ فقال الربيع بن أنس: هو الرّوح الذى نفخ فيه، أضافه سبحانه الى نفسه

تكرّما وتخصيصا، نحو: بيت الله، وناقة الله. والقدس: هو الله تعالى يدلّ عليه قوله: وَرُوحٌ مِنْهُ

وقوله تعالى: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا

. وقال آخرون:

أراد الله تعالى بالقدس: الطهارة، يعنى الروح الطاهرة، سمّى روحه قدسا لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة إنما كان أمرا من الله تعالى. وقال السّدّىّ وكعب:

روح القدس هو جبريل، وتأييد عيسى بجبريل ﵉ هو أنه كان رفيقه وقرينه يوحى اليه ويعينه ويسير معه حيثما سار الى أن صعد به الى السماء. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم، وبه كان يحيى الموتى ويرى الناس تلك العجائب.

وقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ

يعنى الخطّ، وَالْحِكْمَةَ

يعنى العلم والفهم.

وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ

كان يقرؤهما من حفظه. وقوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي

. قوله: تَخْلُقُ

أى تجعل وتصوّر وتقدّر مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ

أى كصورة الطير. فكان عيسى يصوّر من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيرا بإذن الله تعالى. قالوا: ولم يخلق غير الخفّاش.

وانما خص بالخفّاش لأنها أكمل الطير خلقا، فتكون أبلغ فى القدرة، لأن لها ثديا وأسنانا، وهى تلد وتحيض وتطهر. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميّز فعل الخلق من فعل الله تعالى، وليعلم أنّ الكمال لله ﷿. وقوله تعالى: وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي.

الأكمه: الذى ولد أعمى ولم ير الضوء قط. قالوا: ولم يكن فى الإسلام أكمه غير قتادة. والأبرص: الذى به وضح، وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ، فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك.

قال أبو إسحاق الثعلبىّ ﵀: يروى أنّ عيسى ﵇ مرّ بدير فيه عميان، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم طلبوا للقضاء فطمسوا أعينهم بأيديهم.

فقال لهم: ما دعاكم الى هذا؟ فقالوا: خفنا عاقبة القضاء فصنعنا بأنفسنا ما ترى.

فقال: أنتم العلماء والحكماء والأحبار والأفاضل، امسحوا بأيديكم أعينكم وقولوا:

باسم الله. ففعلوا ذلك فإذا هم جميعا يبصرون.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.