من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر زكريا ﵇ مع هيرودس الملك وما كان من أمره
قال الكسائىّ: ولمّا كان من أمر عيسى ﵇ وكلامه ما قدّمناه وتنكّست الأصنام ليلة مولده، جاء إبليس لعنه الله إلى الملك فى صورة شيخ وقال له:
أيها الملك، إن لك عندى نصيحة فاخل معى. فخلا به وقال: ما نصيحتك؟
قال: قد بلغك ما كان من شأن المولود الذى تكلم فى المهد. قال نعم. قال: وقد رأيت ما حلّ بالأصنام من شؤم مولده، وإنه لخليق أن يشمل الأرض كلها بشؤمه، وأنت فلا يمكنك قتله الآن لخروجه من بلادك، وأرى أن تفعل أمرا يتشاءم الناس بسببه بهذا المولود ويعينونك على قتله، وأنت مع ذلك تطلبه، فإن ظفرت به ذبحته.
قال الملك: فما الذى رأيت؟ فلعمرى لقد وقع فى نفسى إنك لخليق أن يكون عندك رأى ومكيدة. قال: تذبح الولدان، فإن ذلك يبغّضه إلى الناس ويتشاءمون به فيكفوك أمره. قال: لقد أتيت بالأمر على وجهه، وأمر بذبح الولدان من سنتين فما دونهما، فوقع الذبح فى صبيان بنى إسرائيل. قال: ثم انطلق إبليس إلى مجالس بنى إسرائيل ونواديهم يقول: الفاحشة فى مريم ويقذفها بزكريا، يعرّض
بذلك لخيارهم، ويبوح به ويصرح لشرارهم، حتى شاعت الفاحشة على زكريّا.
فلما رأى زكريا ذلك هرب واتّبعه سفاؤهم وشرارهم، وسلك فى واد كثير النبت، حتى اذا توسّط الوادى انفرجت له شجرة فدخلها وأقبل القوم فى طلبه، وإبليس يقدمهم حتى أوقفهم عليه وهو فى الشجرة وقد التحمت عليه، فأشار عليهم بقطعها، فقطعت. ثم قال لهم: أىّ العقوبة والنكال أبلغ فى هذا الذى أورث آباءكم الطيبين إبراهيم وإسحاق ويعقوب وذرّيتهم من بعدهم الفضيحة والعار؟!. قالوا:
القتل أو النشر. فأشار عليهم بنشره، فنشروه نصفين ثم انصرفوا عنه، وغاب عنهم إبليس لعنه الله. وبعث الله تعالى الملائكة فغسلوا زكريّا وصلّوا عليه ثلاثة أيام ثم دفنوه. وقد قيل فى مقتل زكريا غير هذا، وقد تقدّم فى أخباره. والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع