تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر توما الحوارىّ مع ملك الهند وإيمانه به

قال الكسائىّ قال وهب: وجاء توما الى أرض الهند والسّند. فبينما هو يتردّد على ساحلهم إذا هو بغلام لملك الهند يقال له حيّان، وكان تاجرا. فأتاه توما فقال له: هل لك أن تبتاعنى للملك؟ فقال له حيّان: من أنت أيها الرجل الكريم؟.

قال له توما: إنّى كنت عبدا مملوكا فأعتقنى سيّدى وأمرنى بالطلب لنفسى، فلم أصادف من الحرّيّة ما كنت أظنّ، وكان حالى يوم كنت عبدا خيرا منه اليوم وأحسن. فقال له حيّان: ما أرى عليك ميسم العبوديّة، وإنى لأرى عليك أثر الخير، ثم قال له: ما الذى تحسن من الأعمال؟ قال: أعمل سائر الأعمال. فاشتراه بثلاثمائة مثقال من الذهب وانطلق به الى الملك. فلمّا رآه أجلّه وعظّمه، وسأل التاجر عنه فأخبره أنه اشتراه على أن يعمل سائر الأعمال. فقال له الملك: أريد أن تبنى لى

قصرا لم يعمل مثله لأحد قطّ. قال توما: لك ذلك علىّ، ولكن أرضك حارّة، وإذا بنى فى زمن الحرّ كان حارّا لا يسكن من حرّه، وكذلك فى زمن البرد يكون باردا، وإنى لأرى أن يعمل فى زمن الاعتدال، فوافقه الملك على رأيه. وعرض للملك غزاة فخرج اليها واستخلف أخاه على الملك، وأمره أن يدفع لتوما ما يحتاج اليه من الأموال للنفقة على القصر، فصرف له أموالا كثيرة، ففرّقها توما فى الفقراء والمساكين حتى أغناهم، ثم مرض أخو الملك مرضا شديدا وغاب عن حسّه وحركته سبعة أيام. فقدم الملك وهو على تلك الحال، فلما ردّ الله عليه روحه قال الملك لتوما: ما فعلت فى القصر؟ قال: قد فرغت منه. فقال الملك لأخيه: ما الذى أعطيته من مالى؟ قال: جميع ما فى بيت مالك. قال:

فهل رأيت القصر؟ قال: إنه قبض منى المال ثم اشتكيت فقلت لتوما: أين بنيت هذا القصر؟ قال: بنيته لك فى السماء. قال: وكيف لى بسلّم أنال به السماء؟ قال: تنال السماء بالسّلّم الذى نالها به أخوك. فقال له أخوه: اسمع منّى أيها الملك أخبرك بالعجب؛ فإنك لو تعلم ما أدخل عليك هذا الرجل من الخير وصرف عنك من الشرّ لقبّلت قدميه وجعلته فوق رأسك. قال: أخبرنى خبره.

قال: أخبرك أنّ الله ﷿ عرج بروحى، فعرضنى على النار فرأيت أمرا عظيما مهولا ووصفه لأخيه، ووصف له صفة ما يعذّب به أهل الشّرك بالله وعبدة الأوثان. قال: ثم قيل لى: إنّ الله عرضك على النار فأراك ما رأيت لتكون لمن خلفك نذيرا، وسيريك الجنة، لتبشّر بها قومك، ولتخبر من خلفك بما رأيت.

قال: فأدخلت الجنة فرأيت كذا وكذا، ووصف الجنة ونعيمها وما فيها. قال:

وانتهيت إلى قصر عظيم من أعظم قصورها وأبوابه مغلقة، فقلت لخزنة الجنة: إنّى أحبّ أن أشاهد باطن هذا القصر فإنّى لم أر مثله. قالوا: إنّ صاحبه الآن فى الدنيا

ومفاتيحه عند ملك من الملائكة. قلت: فلمن ادّخر هذا القصر؟ قالوا: هذا لأخيك فلان وهو الآن فى الدنيا، وعنده رسول من عند الله يقال له توما الحوارىّ من حواريّى عيسى بن مريم. فإذا رجعت إليه فبشّره وأخبره أنه القصر الذى بناه له توما فى السماء، وأنفق فيه بيت ماله. ثم ردّ الله بعد ذلك علىّ روحى، وأنت تعلم يا أخى أنّ لى شطر مالك وملكك وخزائنك، وتعلم مالى بعد ذلك من الأموال والخزائن، وأنا أعطيك جميع ذلك على أن تعطينى قصرك الذى رأيته لك فى الجنة.

قال: يا أخى، ما كنت لأعطيك الباقى بالفانى. ثم أقبل على توما وآمن به هو وأهل مملكته، ولم تزل تلك الأمة على دين عيسى حتى أبادها الموت.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.