من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
الفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن
وإنما هاجها البّراض بقتله عروة الرحّال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعروة البّراض لأن عروة سيّد هوازن، والبّراض خليع من بنى كنانة، وأرادوا أن يقتلوا به سّيّدا من قريش.
وهذه الحرب كانت قبل مبعث النبىّ ﷺ بستّ وعشرين سنة، وقال رسول الله ﷺ: «كنت أنبل على أعمامى يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة» يعنى أناولهم النبل.
وكان سبب هذه الحرب أنّ النعمان بن المنذر اللّخمىّ ملك الحيرة كان يبعث الى سوق عكاظ فى كلّ عام لطيمة فى جوار رجل شريف من أشراف العرب يجيرها له، حتى تباع هنالك ويشترى له بها من أدم الطائف ما يحتاج إليه. وكانت سوق عكاظ تقوم فى أوّل يوم من ذى القعدة، فيتسوّقون إلى حضور الحجّ، ثم يحجّون، فجّهز النعمان عير اللطيمة ثم قال: من يجيرها؟ فقال البّراض بن قيس الضمرىّ: أنا أجيرها على بنى كنانة، فقال النعمان: ما أريد إلّا رجلا يجيرها على أهل نجد وتهامة، فقال عروة الرحّال- وهو يومئذ رجل هوازن- أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن! أنا أجيرها لك على أهل الشّيح والقيصوم من أهل
نجد وتهامة! فقال البّراض: أعلى بنى كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلّهم! فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها وتبعه البرّاض، وعروة لا يخشى منه شيئا، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة، فشرب من الخمر وغنّته قينة، ثم نام، فجاء البّراض فدخل عليه، فناشده عروة وقال: كانت منّى زلّة، وكانت الغفلة منى ضلّة، فقتله وخرج وهو يرتجز ويقول:
قد كانت الغفلة منّى ضلّههلّا على غيرى جعلت الزّلّه
فسوف أعلو بالحسام القلّه
وقال:
وداهية يهال الناس منهاشددت لها بنى بكر ضلوعى
هتكت بها بيوت بنى كلابوأرضعت الموالى بالضّروع
جمعت له يدىّ بنصل سيفأفلّ فخرّ كالجذع الصّريع
واستاق اللطيمة إلى خيبر، واتّبعه المساور بن مالك الغطفانىّ، وأسد بن خيثم الغنوىّ حتى دخلا خيبر، فكان البرّاض أوّل من لقيهما، فقال لهما: من الرجلان؟
قالا: من غطفان وغنىّ. قال البرّاض: ما شأن غطفان وغنىّ بهذا البلد؟ قالا:
ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر. قالا: ألك علم بالبرّاض؟ قال: دخل علينا طريدا خليعا فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتا. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما [به] طاقة إن دللتكما عليه؟ قالا: نعم. قال: فانزلا، فنزلا وعقلا راحلتيهما. قال: أيّكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحدّ سيفا؟ قال الغطفانىّ:
أنا. قال: فانطلق أدلّك عليه، فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة فى جانب خيبر خارجة عن البيوت، فقال البرّاض: هو فى هذه الخربة وإليها يأوى، فأنظرنى حتى أنظر
أثمّ هو أم لا، فوقف له ودخل البرّاض ثم خرج إليه وقال: هو قائم فى البيت الأقصى خلف هذا الجدار، فهل عند سيفك صرامة؟ قال: نعم. قال: هات سيفك أنظر إليه أصارم هو؟ فأعطاه سيفه، فهزّه البرّاض ثم ضربه فقتله، ووضع السيف خلف الباب وأقبل إلى الغنوىّ فقال: ما وراءك؟ قال: أجبن من صاحبك، تركته قائما فى البيت الذى فيه الرجل، والرجل نائم لا يتقدّم إليه ولا يتأخّر عنه، قال الغنوىّ: يا لهفاه! لو كان لى من ينظر راحلتينا، قال البرّاض: هما علىّ إن ذهبتا، فانطلق الغنوىّ والبرّاض خلفه حتى إذا جاور الغنوىّ باب الخربة أخذ البرّاض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما وانطلق.
وبلغ قريشا خبر البرّاض بسوق عكاظ، فخلصوا نجيّا، واتّبعتهم قيس لمّا بلغهم أنّ البرّاض قتل عروة الرحّال، وعلى قيس أبو براء عامر بن مالك، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فنادوهم.: يا معشر قريش، إنّا نعاهد الله ألّا نبطل دم عروة أبدا، أو نقتل به عظيما منكم، وميعادنا معكم هذه الليلة من العام القابل، فقال حرب بن أميّة لأبى سفيان ابنه: قل لهم: إنّ موعدكم قابل فى هذا اليوم، فقال خداش بن زهير فى هذا اليوم، وهو يوم نخلة، من أبيات أوّلها:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبةعلى سخينة لولا الليل والحرم
وكانت العرب تسمّى قريشا سخينة لأكلها السّخن.
يوم شمظة وهو يوم نخلة من الفجار الاخر
قال: فجمعت كنانة قرشيّها وعبد منانها والأحابيش ومن لحق بهم من بنى أسد بن خزيمة، وألبس يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمىّ السلاح بأداة
كاملة، سوى ما ألبس من قومه، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة.
قال: وجمعت سليم وهوازن وجموعهما وأخلافهما، غير كلاب وبنى كعب، فإنهما لم يشهدا يوما من أيام الفجار غير يوم نخلة، فاجتمعوا بشمظة من عكاظ فى هذه الأيام التى تواعدوا فيها على قرن الحول، وعلى كلّ قبيلة من قريش وكنانة سيّدها، وكذلك على قبائل قيس، غير أنّ أمر كنانة كلّها الى حرب بن أميّة، وعلى إحدى مخبتيها عبد الله بن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة، وحرب بن أميّة فى القلب، وأمر هوازن كلّها الى مسعود بن معتب الثقفىّ، فزحف بعضهم الى بعض، فكانت الدائرة فى أوّل النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان من آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانكشفت كنانة فاستحرّ القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ويقال ثمانون، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع