من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر حضور رسول الله ﷺ هدم الكعبة وبناءها
قالوا: ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة شهد هدم الكعبة وبناءها، وتراضت قريش بحكمه فيها؛ وكان سبب هدم الكعبة وبنائها ما روى عن ابن عباس، ومحمد بن جبير بن مطعم، قالا: كانت الجروف مطلّة على مكة، وكان السّيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع، فخافوا أن ينهدم، وسرق منه حليه وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر.
قال محمد بن إسحق: وكان كنز الكعبة فى بئر فى جوفها، فوجد عند دويك مولى لبنى مليح بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريش يده، وزعمت قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك.
وكانت الكعبة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وكانوا يهمّون بذلك ويهابون هدمها، فلما سرق الكنز حملهم ذلك على هدمها وبنائها؛ قال:
وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدّة لرجل من تجّار الروم فتحطمت. قال الواقدى: كان رأس أصحاب السفينة رجلا روميا اسمه باقوم، فخجّتها الريح إلى
الشّعيبة، وكانت مرفأ السفن قبل جدّة فتحطّمت؛ فخرج الوليد بن المغيرة فى نفر من قريش فابتاعوا خشبها، وقدم معهم باقوم الرومىّ.
قال ابن اسحق: فأعدّوا الخشب لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطىّ نجار، فتهيأ لهم فى أنفسهم بعض ما يصلحها؛ وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التى كان يطرح فيها ما يهدى لها، فتتشرّق كل يوم على جدار الكعبة، ولا يدنو منها أحد إلا احزألّت أى رفعت رأسها وكشّت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها؛ فبينا هى يوما تتشرّق بعث الله طائرا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضى ما أردنا؛ عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله ﷿ الحية.
فلما أجمعوا أمرهم على هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو خال أبى رسول الله ﷺ، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيّبا، لا يدخل فيها مهر بغىّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. ويقال إن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هو الذى قال هذا القول.
قال الواقدىّ: فأمروا بجمع الحجارة، وببناء الكعبة منها؛ فبينا رسول الله ﷺ ينقل معهم، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل
ذلك رسول الله ﷺ فلبط به: أى سقط من قيام، ونودى: عورتك! فكان ذلك أوّل ما نودى، فقال له أبو طالب: يا بن أخى اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابنى [ما أصابنى] إلا من التّعرّى؛ فما رؤيت لرسول الله ﷺ عورة بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا جزّأت الكعبة، فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليمانىّ لبنى مخزوم وقبائل من قريش انضمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وسهم، وكان شقّ الحجر لبنى عبد الدّار ابن قصىّ وبنى أسد بن عبد العزّى وبنى عدىّ بن كعب، وهو الحطيم.
وقال الواقدىّ: وقع لبنى عبد مناف وزهرة وجه البيت، وهو ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر، ووقع لبنى أسد بن عبد العزّى وبنى عبد الدار ما بين ركن الحجر إلى ركن الحجر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحجر إلى الرّكن اليمانىّ، ووقع لسهم وجمح وعدىّ وعامر بن لؤىّ ما بين الركن إلى الركن الأسود.
قال ابن إسحاق: ثمّ إن الناس هابوا هدمها، وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأكم فى هدمها، فأخذ المعول؛ ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع،
ويقال: لم نزغ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير؛ ثم هدم من ناحية الركنين، فتربّص الناس به تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شىء فقد رضى الله ما صنعنا فنهدم، فأصبح الوليد من ليلته غاديا على عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم ﵇، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنّة آخذ بعضها بعضا، فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقّضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
قال: ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، كلّ قبيلة تجمع على حدة، وبنوا حتى بلغ البنيان موضع الركن. والله المستعان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع