تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر بناء مسجد رسول الله ﷺ وبيوته بالمدينة

قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد قال: حدّثنى معمر بن راشد عن الزهرىّ قال: بركت ناقة رسول الله ﷺ عند موضع المسجد، وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا فى حجر أبى أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله ﷺ بالغلامين فساومهما بالمربد ليتّخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى ﷺ حتى ابتاعه منهما. قال ابن سعد: وقال غير معمر عن الزهرى: فابتاعه بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، فكان جدارا مجدّرا ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلى بأصحابه فيه، ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل الذى بالحديقة وبالغرقد الذى فيه أن تقطع، وأمر باللبن فضرب، وكان فى المربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت، وبالعظام أن تغيّب، وكان فى المربد ماء مستنجل فسيّروه حتى ذهب، فأسّس رسول الله ﷺ المسجد وأسسوا معه، فجعلوا طوله مما يلى القبلة إلى مؤخّره مائة ذراع، وفى هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربّع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة؛ ثم بنوه باللّبن، وبناه رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل ينقل الحجارة معهم بنفسه، ويقول: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرين، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار» قال: وقال قائل من المسلمين يرتجز:

لئن قعدنا والنبىّ يعمللذاك منّا العمل المضلّل

قال: ودخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلونى؛ يحملون علىّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، ويقول: «ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية»، قال ابن سعد: وجعل رسول الله ﷺ قبلة المسجد إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا فى مؤخره، وبابا يقال له:

باب الرحمة، وهو الباب الذى يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذى يدخل منه رسول الله ﷺ، وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع، وسقفه جريدا، فقيل له: ألا تسقّفه؟ فقال: «عريش كعريش موسى خشيبات وثمام الشأن أعجل من ذلك» قال: وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء، بنى لعائشة رضى الله عنها [فى البيت الذى يليه شارع إلى المسجد] على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أرسل رسول الله ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.