من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزوة الطائف
غزاها رسول الله ﷺ فى شوّال سنة ثمان من مهاجره، وذلك أنه لمّا انهزمت هوازن وثقيف يوم حنين، وجمعت السبايا والغنائم، سار رسول الله ﷺ من حنين يريد الطائف، وقدّم خالد بن الوليد على مقدّمته،
وقد كانت ثقيف رمّوا حصنهم، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلما انهزموا من أوطاس، دخلوا حصنهم وأغلقوه عليهم وتهيئوا للقتال، وسار رسول الله ﷺ وسلك على نخلة اليمانيّة، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرّغاء من ليّة، فابتنى بها مسجدا يصلّى فيه.
قال ابن إسحاق: وأقاد رسول الله ﷺ يومئذ ببحرة الرّغاء حين نزلها بدم، وهو أوّل دم أقيد به فى الإسلام رجل من بنى أسد قتل رجلا من هذيل فقتل به؛ قال: وأمر رسول الله ﷺ وهو بليّة بحصن مالك ابن عوف، فهدم، ثم سلك فى طريق يقال لها: الضّيفة، فسأل عن اسمها. فقال:
«ما اسم هذه الطريق» ؟ فقالوا: الضّيقة، فقال: «بل هى اليسرى»، ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله ﷺ، يقول: «إمّا أن تخرج وإمّا أن نخرّب عليك حائطك»؛ فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله ﷺ بإخرابه؛ ثم مضى حتى نزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنّبل رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا.
قال ابن إسحاق: وهم سعيد بن سعيد بن العاص، وعرفطة بن جناب، حليف لهم من أسد بن الغوث.
وعبد الله بن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما، رمى فاندمل جرحه، ثم انتقض بعد ذلك فمات منه فى خلافة أبيه.
ومن بنى مخزوم عبد الله بن أبى أميّة بن المغيرة.
ومن بنى كعب عبد الله بن عامر بن ربيعة، حليف لهم.
ومن بنى سعد بن ليث جليحة بن عبد الله.
ومن الأنصار ثابت بن الجذع، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت بن ثعلبة الأوسىّ.
قال: فارتفع رسول الله ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه ﷺ من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبّتين.
وحاصرهم رسول الله ﷺ ثمانية عشر يوما، ويقال: خمسة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق، ورمى عليهم به، وأهل الطائف أوّل من رمى بالمنجنيق فى الإسلام.
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشّدخة دخل نفر من المسلمين تحت دبّابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنّبل، فقتل منهم رجال، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها، فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله ﷺ:
«إنى أدعها لله وللرّحم»، وندى منادى رسول الله ﷺ: «أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ»؛ فخرج منهم بضعة عشر رجلا، منهم: أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ﷺ، ودفع كلّ رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف، ولم يؤذن لرسول الله ﷺ فى فتح الطائف، فاستشار نوفل بن معاوية الدّيلىّ، فقال: «ما ترى» ؟ فقال:
ثعلب فى حجر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضررك.
قال محمد بن إسحاق: وبلغنى أن رسول الله ﷺ قال لأبى بكر رضى الله عنه: «يا أبا بكر؛ إنى رأيت أنّى أهديت لى قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها»؛ فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد؛ فقال رسول الله ﷺ: «وأنا لا أرى ذلك».
قال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أميّة السّلميّة، وهى امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله، [أعطنى] إن فتح الله عليك الطائف حلىّ بادية بنت غيلان ابن سلمة، أو حلىّ الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء قريش. قال: فذكر؟؟ لى أن رسول الله ﷺ قال لها: «وإن كان لم يؤذن لى فى ثقيف يا خويلة» ؟
فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما حديث حدّثتنيه خويلة فزعمت أنك قد قلته؟؛ قال: «قد قلته». قال: أو ما أذن فيهم يا رسول الله؟
قال: «لا»، قال: أفلا أؤذّن بالرحيل؟ قال: «بلى» قال: فأذّن عمر فى الناس بالرحيل؛ فضجّ الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم تفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ: «فاغدوا على القتال»؛ فغدوا، فأصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله ﷺ: «إنا قافلون إن شاء الله»؛ فسرّوا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرتحلون ورسول الله ﷺ يضحك، وقال لهم: «قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»؛ فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون»؛ وقيل لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، ادع على ثقيف؛ فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع