من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفد ثقيف وإسلامها وهدم اللّات
كان قدوم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ، وإسلامها فى شهر رمضان سنة سبع من مهاجره.
قال أبو عبد الله محمد بن إسحق، وأبو محمد عبد الملك بن هشام، وأبو عبد الله محمد بن سعد ﵏، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض: لمّا حاصر رسول الله ﷺ الطائف لم يحضر عروة بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة الحصار، بل كانا بجرش يتعلّمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدّبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله ﷺ عن الطّائف، فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبّابات واعتدّا للقتال، ثم ألقى الله فى قلب عروة الإسلام، فخرج إلى رسول الله ﷺ يتبع أثره، حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ:
«إنّهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبكارهم.
قال: فكرر علىّ رسول الله ﷺ ذلك ثلاثا، فقال: «إن شئت فاخرج» فخرج، وكان فيهم كذلك محبّبا مطاعا، فسار إلى الطائف، فسار خمسا
فقدم عشاء، فدخل منزله، فجاء قومه يحيّونه بتحيّة الشّرك، فقال: عليكم بتحية أهل الجنة «السّلام». ودعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به، فلمّا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذّن بالصلاة، فخرجت ثقيف من كل ناحية، فرماه رجل يقال له أوس بن عوف أخو بنى سالم بن مالك- وقيل: بل هو وهب بن جابر رجل من الأحلاف- بسهم فأصاب أكحله فلم يرقأ دمه، فقام أشراف قومه؛ وهم: غيلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ياليل، والحكم بن عمرو ابن وهب، ووجوه الأحلاف، فلبسوا السّلاح وحشدوا، فلما رأى عروة ذلك قال: قد تصدّقت بدمى على صاحبه؛ لأصلح بذلك بينكم، وهى كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إلىّ. وقال: ادفنونى مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ، ومات فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله ﷺ خبره فقال فيه: «إنّ مثله فى قومه لكمثل صاحب «يس» دعا قومه إلى الله فقتلوه».
قالوا: ولحق أبو المليح بن عروة، وقارب بن الأسود بن مسعود برسول الله ﷺ فأسلما، فقال لهم رسول الله ﷺ: «تولّيا من شئتما» فقالا: نتولّى الله ورسوله؛ فقال رسول الله ﷺ:
«وخالكما أبا سفيان بن حرب» فقالا: وخالنا أبا سفيان.
قال ابن إسحق: ثم أقامت ثقيف بعد ما قتل عروة أشهرا، ثم ائتمروا بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا. وكان
مالك بن عوف قد أسلم كما قدّمنا فى غزوة حنين، وجعل يغير على سرحهم.
قال: وكان عمرو بن أمية أخا بنى علاج مهاجرا لعبد يا ليل بن عمرو، وكان من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن اخرج إلىّ، فاستعظم عبد ياليل مشيه إليه، وقال للرسول الذى جاءه: ويلك! أعمرو أرسلك إلىّ؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفا فى دارك، فقال: إن هذا لشىء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع فى نفسه من ذلك، وخرج إليه، فلمّا رآه رحّب به، فقال عمرو له: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا فى أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأجمعوا رأيهم أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا منهم، كما أرسلوا عروة بن مسعود، فعرضوا ذلك على عبد ياليل بن عمرو بن عمير، فأبى أن يفعل، وخشى أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: لست فاعلا حتى يرسلوا معى رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بنى مالك، فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب، ومن بنى مالك عثمان بن أبى العاص بن بشر أخا بنى يسار، وأوس بن عوف أخا بنى سالم،
ونمير بن خرشة بن ربيعة أخا بنى الحارث، فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم.
وقال ابن سعد: كانوا بضعة عشر رجلا، وهو أثبت.
قال ابن إسحق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى فى نوبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ، وكانت رعيتها نوبا على أصحابه، فلما رآهم ترك الرّكاب عند الثّقفيين، وخرج يشتدّ ليبشّر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق رضى الله عنه قبل أن يدخل على رسول الله ﷺ، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله ﷺ، حتى أكون أنا أحدّثه؛ ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فعلّمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.
قال: ولما قدموا على رسول الله ﷺ، ضرب عليهم قبّة فى ناحية مسجده- كما يزعمون -، وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشى بينهم وبين رسول الله ﷺ، حتى كتبوا كتابهم، وكتبه خالد بيده، وهو:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبىّ رسول الله، إلى المؤمنين: إنّ عضاه وجّ وصيده [حرام] لا يعضد، من وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبىّ- محمدا ﷺ وأن هذا أمر النبىّ محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعدّه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله ﷺ».
قال ابن إسحق: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.
قال: وقد كان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطّاغية وهى اللّات؛ لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمّى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله ﷺ إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وألّا يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله ﷺ:
«أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصّلاة فإنه لا خير فى دين لا صلاة فيه». فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها وإن كانت دناءة. فلما أسلموا
وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبى العاص، وكان من أحدثهم سنّا، وكان أحرصهم على التّفقّه فى الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر الصدّيق ذلك لرسول الله ﷺ.
روى عن عثمان بن أبى العاص قال: كان من آخر ما عهد إلىّ رسول الله ﷺ حين بعثنى على ثقيف أن قال: «يا عثمان؛ تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصّغير والضّعيف وذا الحاجة».
قال ابن إسحق: ولما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول الله ﷺ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فى هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان فأبى ذلك عليه، وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذى الهدم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنو معتّب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين ويقلن:
لتبكينّ دفّاعأسلمها الرّضّاع
لم يحسنوا المصاع
قال: ويقول أبو سفيان بن حرب، والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك! أهلا لك ! فلما هدمها المغيرة بن شعبة وأخذ ما لها وحليّها، أرسل إلى أبى سفيان، وحلّيها مجموع، ومالها من الذّهب والجزع.
وقد كان أبو مليح بن عروة سأل رسول الله ﷺ أن يقضى عن أبيه عروة بن مسعود دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال رسول الله ﷺ: «نعم» فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه،- وعروة والأسود أخوان لأب وأمّ- فقال رسول الله ﷺ:
«الأسود مات مشركا»، فقال قارب: يا رسول الله، لكن يصل مسلما ذا قرابة- يعنى نفسه- إنّما الدّين علىّ وأنا الذى أطلب به. فأمر رسول الله ﷺ أبا سفيان أن يقضى دين عروة والأسود من مال الطّاغية؛ فلمّا جمع المغيرة مالها قال لأبى سفيان: إنّ رسول الله ﷺ قد أمرك أن تقضى عن عروة والأسود دينهما. فقضى عنهما.
قال المغيرة: فدخلت ثقيف فى الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب بنى أب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاما، ولا أبعد أن يوجد فيهم غشّ لله ولكتابه منهم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع