تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما لباسه ﷺ وما روى من ألوانه وأصنافه وطوله وعرضه

فقد روى أنه ﷺ كان يتجمّل لأصحابه، فضلا عن تجمّله لأهله، ويقول: «إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّا لهم ويتجمّل» ولبس ﷺ من الثياب البياض والحمرة والصّفرة والخضرة والسّواد.

أما البياض وما جاء فيه- فقد روى عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بالبياض من الثياب فليلبسها أحياؤكم وكفّنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم» وفى رواية عنه «البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا فيها موتاكم». وعن أبى قلابة قال قال رسول الله ﷺ: «إنّ من أحبّ ثيابكم إلى الله البياض، فصلّوا فيها وكفّنوا فيها موتاكم».

وأما الثياب الحمر- فروى عن البراء قال: ما رأيت أحدا كان أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله ﷺ. وعنه: ما رأيت من ذى لمّة أحسن فى حلّة حمراء من رسول الله ﷺ. وعن عون بن أبى جحيفة عن أبيه

قال: أتيت النبىّ ﷺ بالأبطح، وهو فى قبّة حمراء، فخرج وعليه جبّة له حمراء وحلّة عليه حمراء. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يلبس يرده الاحمر في العيدين والجمعة. وعن أبى جعفر محمد بن علىّ أن رسول الله ﷺ كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر؛ ويعتمّ يوم العيدين، ﷺ تسليما كثيرا.

وأما الثياب الصّفر- فقد روى عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له غسلا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسيّة فاشتمل بها، فكأنى أنظر إلى أثر الورس على عكنه. وعن بكر بن عبد الله المزنى قال: كانت لرسول الله ﷺ ملحفة مورّسة، فإذا دار على نسائه رشّها بالماء.

وعن أمّ سلمة رضى الله عنها قالت: ربما صبغ لرسول الله ﷺ قميصه ورداؤه وإزاره بزعفران وورس، ثم يخرج فيها. وعن عبد الله بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه بالزعفران: قميصه ورداءه وعمامته. وعن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه رداء وعمامة مصبوغين بالعبير، والعبير عندهم الزّعفران. وعن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة.

وأما الثياب الخضر- فقد روى أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثياب الخضر. وعن أبى رمثة قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه بردان أخضران. والله المنعم.

وأما السّواد وما ورد فيه- فقد روى عن جابر أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء. وعن حريث عن أبيه أن النبى ﷺ خطب الناس، وعليه عمامة سوداء، هذا ما وقفنا عليه من ألوان لباسه ﷺ.

فأما أصناف لباسه ﷺ وطولها وعرضها، فإنه ﵊ لبس الصوف والحبرة والقطن، ولبس السّندس والحرير، ثم تركه، وورد فى ذلك أخبار نذكر منها ما أمكن.

أما الصوف وما ورد فيه- فقد روى عن أبى بردة قال: دخلت على عائشة رضى الله عنها فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه الملبّدة، فأقسمت أن رسول الله ﷺ قبض فيهما. وعنها رضى الله عنها قالت: جعل للنبىّ ﷺ بردة سوداء من صوف فلبسها. وعن سهل بن سعد: قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فيها حاشيتاها. قال سهل: وتدرون ما البردة؟ قالوا: الشّملة، قال:

نعم، هى الشّملة، فقالت: يا رسول الله، نسجت هذه البردة بيدى فجئت بها أكسوكها، قال: فأخذها رسول الله ﷺ محتاجا إليها، فخرج علينا وإنها لإزاره، فحسّنها فلان- لرجل من القوم سماه- فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه البردة!

أكسنيها، فقال: «نعم» فجلس ما شاء الله فى المجلس ثم رجع، فلما دخل رسول الله ﷺ طواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، كسيها رسول الله ﷺ محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد علمت أنه لا يرد سائلا! فقال الرجل: والله ما سألته إياها لألبسها، ولكن لتكون كفنى يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه.

وأما الحبرة وهى من برود اليمن فيها حمرة وبياض فكانت من أحبّ اللباس إلى رسول الله ﷺ. وروى عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك:

أىّ اللباس كان أحبّ وأعجب إلى رسول الله ﷺ؟ قال:

الحبرة. وعن محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبى ﷺ من حبرة له حاشيتان.

وأما السّندس والحرير- فإن رسول الله ﷺ لبس ذلك ثم تركه.

روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله ﷺ مستقة من سندس فلبسها، فكأنّى أنظر إلى يديها تذبذبان من طولها. فجعل القوم يقولون: يا رسول الله، أنزلت عليك من السماء؟ فقال:

«وما تعجبون منها، فو الذى نفسى بيده إن منديلا من مناديل سعد بن معاذ فى الجنة خير منها» ثم بعث بها إلى جعفر بن أبى طالب فلبسها، فقال النبى ﷺ: «إنى لم أعطكها لتلبسها» قال: فما أصنع بها؟ قال: «ابعث بها

إلى أخيك النجاشى». وعن عقبة بن عامر قال: أهدى إلى رسول الله ﷺ فرّوج- يعنى قباء حرير- فلبسه، ثم صلّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له، ثم قال: «لا ينبغى هذا للمتقين».

وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ صلّى فى خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما سلّم قال: «اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم فإنها ألهتنى آنفا عن صلاتى وأتونى بأنجبانىّ أبى جهم».

وأما القطن وما ورد فى أطوال ثياب رسول الله ﷺ وعرضها فروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: كنت يوما أمشى مع رسول الله ﷺ وعليه برد بحرانىّ غليظ الحاشية. وعنه: كان قميص رسول الله ﷺ قطنيا قصير الطول قصير الكمّين. وعن بديل قال: كان كمّ رسول الله ﷺ إلى الرّسغ. وعن عروة بن الزبير رضى الله عنهما:

أن طول رداء النبى ﷺ أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر.

وعنه: أن ثوب رسول الله ﷺ الذى كان يخرج فيه إلى الوفد- ورداؤه حضرمىّ- طوله أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق، فطووه بثوب يلبسونه يوم الأضحى والفطر. وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يلبس قميصا قصير اليدين والطول.

وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: كنت مع عمر، فى حديث رواه عنه قال فقال:

رأيت أبا القاسم وعليه جبّة شاميّة ضيقة الكمّين.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.