تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

أما ما ناله ﷺ من شدة العيش فى دنياه

فقد تقدّم من صفاته المعنوية زهده فى الدنيا وتقلّله منها، وأحلنا هناك على ما نورده فى هذا الموضع. وسنورد منه ما تقف عليه إن شاء الله.

فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، أن رسول الله ﷺ كان يبيت الليالى المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير. وعن أنس بن مالك أن فاطمة رضى الله عنها جاءت بكسرة خبز إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما هذه الكسرة» ؟ قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسى حتى أتيتك بهذه الكسرة. فقال: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام». وعن أبى هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان يشدّ صلبه بالحجر من الغرث». وعن مسروق قال: بينهما عائشة تحدّثنى ذات يوم إذ بكت؛ فقلت: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ قالت: ما ملأت بطنى من طعام فشئت أن أبكى إلا بكيت؛ أذكر رسول الله ﷺ وما كان فيه من الجهد. وعنه قال: دخلت على عائشة أمّ المؤمنين وهى تبكى، فقلت: يا أمّ المؤمنين ما يبكيك؟ قالت: ما أشبع فأشاء أن أبكى إلا بكيت؛

وذلك أن رسول الله ﷺ كان يأتى عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز برّ. وعنها رضى الله عنها قالت: ما شبع آل محمد غداء وعشاء من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق بالله. ومن رواية عنها: ما رفع عن مائدته كسرة فضلا حتى قبض. وعن أبى هريرة قال: كان يمرّ بآل رسول الله ﷺ هلال، ثم هلال، ثم هلال، لا يوقد فى شىء من بيوته نار، لا لخبز ولا لطبيخ، قالوا: بأى شىء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: بالأسودين التمر والماء. قال: وكان له جيران من الأنصار- جزاهم الله خيرا- لهم منائح»

يرسلون إليه بشىء من لبن. وعن الحسن قال: خطب رسول الله ﷺ فقال:

«والله ما أمسى فى آل محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات» والله ما قالها استقلالا لرزق الله، ولكن أراد أن تأسّى به أمته. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ فى يوم مرتين حتى لحق بالله، ولا رفعنا له فضل طعام عن شبع حتى لحق بالله، إلا أن نرفعه لغائب. فقيل لها:

ما كانت معيشتكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر. قالت: وكان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب يسقونا من لبنها؛ جزاهم الله خيرا. وعن ابن شهاب:

أن أبا هريرة كان يمرّ بالمغيرة بن الأخنس وهو يطعم الطعام، فقال: ما هذا الطعام؟ قال: خبز النّقىّ واللحم السّمين، قال: وما النّقىّ؟ قال: الدقيق.

فتعجب أبو هريرة ثم قال: عجبا لك يا مغيرة! رسول الله ﷺ قبضه

الله ﷿، وما شبع من الخبز والزيت فى يوم مرتين، وأنت وأصحابك تهذرون ها هنا الدنيا بينكم. وعن قتادة قال: كنا نأتى أنس بن مالك وخبّازه قائم، فقال يوما: كلوا فما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّفا حتى لحق بربه، ولا شاة سميطا قطّ. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: ما اجتمع فى بطن النبىّ ﷺ طعامان فى يوم قطّ، إن أكل لحما لم يزد عليه، وإن أكل تمرا لم يزد عليه، وإن أكل خبزا لم يزد عليه. وعن عائشة رضى الله عنها قالت:

أرسل أبو بكر رضى الله عنه قائمة شاة ليلا فقطعت، وأمسك علىّ رسول الله ﷺ، أو قطع رسول الله ﷺ وأمسكت عليه، فقيل لها:

على غير مصباح؟ قالت عائشة: لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به، كان يأتى على آل محمد شهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا. وعن عمران بن زيد المدينى قال:

حدّثنى والدى، قال: دخلنا على عائشة، فقلنا: سلام عليك يا أمّاه، قالت:

وعليك، ثم بكت، فقلنا: ما بكاؤك يا أمّاه؟ قالت: بلغنى أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء، فذكرت نبيكم ﷺ، فذلك الذى أبكانى، خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه فى يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وإن شبع من الخبز لم يشبع من التمر، فذلك الذى أبكانى. وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ توفّى يوم توفّى، ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود يوسق من شعير. وسئل سهل بن سعد:

أكانت المناخل على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: ما رأيت منخلا فى ذاك الزمان، وما أكل رسول الله ﷺ الشعير منخولا حتى فارق الدنيا. فقيل له: كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نطحنها ثم ننفخ قشرها، فيطير ما طار ويستمسك ما استمسك. وعن الأعرج، عن أبى هريرة أن النبىّ ﷺ كان يجوع، قال قلت لأبى هريرة: وكيف ذلك الجوع؟ قال:

لكثرة من يغشاه وأضيافه، وقوم يلزمونه لذلك، فلا يأكل طعاما أبدا إلا ومعه أصحابه وأهل الحاجة يتتبعون من المسجد، فلما فتح الله تعالى خيبر اتّسع الناس بعض الاتساع، وفى الأمر بعد ضيق، والمعاش شديد فى بلاد ظف، لا زرع فيها، إنما طعام أهلها التمر وعلى ذلك أقاموا. قال مخرمة بن سليمان: وكانت جفنة سعد تدور على رسول الله ﷺ منذ يوم نزل المدينة فى الهجرة إلى يوم توفّى، وغير سعد بن عبادة من الأنصار يفعلون ذلك. وكان أصحاب رسول الله ﷺ كثيرا يواسون، ولكن الحقوق تكثر والعدّام يكثرون، والبلاد ضيقة ليس فيها معاش، إنما تخرج ثمرتهم من ماء ثمد يحمله الرجال على أكتافهم، أو على الإبل، والإبل أقل ذلك، وربما أصاب نخلهم القشام فتذهب ثمرتهم تلك السنة، والقشام: شىء يصيب البلح مثل الجدرى فينتثر؛ فهذه كانت حاله ﷺ فى عيشه فى غالب أوقاته، وهى سنّة الأنبياء صلوات الله عليهم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.