من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما تواضعه ﷺ مع علوّ منصبه ورفعة مرتبته
فكان ﷺ أشدّ الناس تواضعا، وأقلهم كبرا، وقد جاء أنه خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا، أو نبيّا عبدا، فاختار أن يكون نبيّا عبدا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشقّ الأرض عنه، وأول شافع. ومما رويناه بسند متّصل عن أبى أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكّئا على عصا، فقمنا له فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضا». وقال: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيث ما انتهى به المجلس جلس، وعن أنس: أن امرأة كان فى عقلها شىء جاءته فقالت: إن لى إليك حاجة، قال: «اجلسى يا أمّ فلان فى أى طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضى حاجتك» قال: فجلست فجلس النبى ﷺ إليها حتى فرغت من حاجتها. قال أنس: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ وعليه قطيفة ما تساوى أربعة دراهم، فقال:
«اللهم اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة». هذا وقد أهدى فى حجه ذلك مائة بدنة، ولما فتحت عليه مكة دخلها وقد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد يمسّ قادمته تواضعا لله تعالى.
ومن تواضعه ﷺ أنه لما دخل مكة جاءه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه بأبيه ليسلم فقال: «لم عنّيت الشيخ يا أبا بكر ألا تركته حتى أكون أنا آتيه فى منزله» وقد تقدّم ذكر ذلك فى الفتح. وعن عائشة والحسن وأبى سعيد وغيرهم رضى الله عنهم، فى صفته ﷺ، وبعضهم يزيد على بعض، أنه كان ﷺ فى بيته فى مهنة أهله، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويقمّ البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ويحمل بضاعته من السّوق. وعن أنس:
أن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضى حاجتها. ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له: «هوّن عليك فإنى لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد».
وعن أبى هريرة قال: دخلت السّوق مع النبى ﷺ فاشترى سراويل، وقال للوزّان «زن وأرجح» وذكر القصّة، قال: فوثب إلى يد النبى ﷺ يقبّلها فجذب يده، وقال: «هذا يفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما
أنا رجل منكم» ثم أخذ السّراويل فذهبت لأحمله فقال: «صاحب الشىء أحق بشيئه أن يحمله». وقد ذكر الأمين العاصمىّ بعض ذلك فى قصيدة له فقال:
يا جاعلا سنن النبىشعاره ودثاره
متمسّكا بحديثهمتتبّعا أخباره
سنن الشّريعة خذ بهامتوسّما آثاره
وكذا الطريقة فاقتبسفى سبلها أنواره
قد كان يقرى ضيفهكرما ويحفظ جاره
ويجالس المسكين يؤثر قربه وجواره
الفقر كان رداءهوالجوع كان شعاره
يلقى بغرّة ضاحكمستبشرا زوّاره
بسط الرّداء كرامةلكريم قوم زاره
ما كان مختالا ولامرحا يجرّ إزاره
قد كان يركب بالرّددفمن الخضوع حماره
فى مهنة هو أو صلاة ليله ونهاره
فتراه يحلب شاة منزله ويوقد ناره
ما زال كهف مهاجريهـ ومكرما أنصاره
برّا بمحسنهم مقيلا للمسىء عثاره
يهب الذى تحوى يداهلطالب إيثاره
زكّى عن الدنيا الدّنيّة ربّه مقداره
جعل الإله صلاتهأبدا عليه نثاره
فاختر من الأخلاق ماكان الرسول اختاره
لتعدّ سنّيّا وتوشك أن تبوّأ داره
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع