تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وانقيادها إليه وإجابتها دعوته ﷺ

فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال:

كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر فدنا منه أعرابىّ، فقال: «يا أعرابى أين تريد» ؟ قال: إلى أهلى، قال: «هل لك إلى خير» ؟ قال: وما هو؟ قال:

«تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه الشجرة السّمرة» وهى بشاطئ الوادى، فأقبلت تخدّ الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها. وعن بريدة قال: سأل أعرابى النبى ﷺ آية فقال له: «قل لتلك الشجرة رسول الله- ﷺ يدعوك» قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها، ثم جاءت تخد الأرض، تجرّ عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدى رسول الله ﷺ، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابى: مرها فلترجع إلى منبتها فاستوت، فقال الأعرابى: إيذن لى أسجد لك، قال: «لو أمرت أحدا

أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» قال: فأذن لى أقبّل يديك ورجليك، فأذن له.

ومن ذلك ما روى فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله قال: ذهب رسول الله ﷺ يقضى حاجته فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادى، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من غصانها فقال: «انقادى علىّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش الذى يصانع قائده.

وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك، حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: «التئما علىّ بإذن الله» فالتأمتا. وفى رواية أخرى؛ فقال: «يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله- ﷺ الحقى بصاحبتك حتى أجلس خلفكما» ففعلت فرجعت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما، فخرجت أحضر، وجلست أحدّث نفسى، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ مقبل والشجرتان قد افترقثا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول الله ﷺ وقفة فقال برأسه- هكذا- يمينا وشمالا.

وروى أسامة بن زيد نحوه، قال قال لى رسول الله ﷺ فى بعض مغازيه: «هل» ؟ يعنى مكانا لحاجة رسول الله- ﷺ فقلت:

إن الوادى ما فيه موضع بالناس، فقال: «هل ترى من نخل أو حجارة» ؟

قلت: أرى نخلات متقاربات، فقال: «انطلق وقل لهن إن رسول الله ﷺ يأمركنّ أن تأتين لمخرج رسول الله ﷺ وقل للحجارة مثل ذلك» فقلت ذلك لهنّ، فو الذى بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهنّ، فلما قضى حاجته قال لى:

«قل لهنّ يفترقن» فو الذى نفسى بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهنّ. وعن ابن مسعود مثله فى غزاة حنين. وعن يعلى بن مرة- وهو ابن سيّابة - وذكر أشياء رآها من رسول الله ﷺ فذكر أن طلحة- أو سمرة- جاءت فأطافت به، ثم رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله ﷺ: «إنها استأذنت أن تسلم علىّ». وفى حديث ابن مسعود: آذنت النبىّ ﷺ بالجنّ ليلة استمعوا له شجرة. وذكر أبو بكر بن فورك أن رسول الله ﷺ سار فى غزوة الطّائف ليلا وهو وسن، فآعترضته سدرة فانفرجت له نصفين، حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، وهى هناك معروفة. وقد روى فى مثل ذلك أحاديث كثيرة.

ومن ذلك قصّة حنين الجذع، والخبر بذلك مشهور منتشر خرّجه أهل الصحيح، ورواه جماعة من الصحابة رضى الله عنهم، قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبى ﷺ إذا خطب يقوم على جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، وفى رواية أنس:

حتى ارتجّ المسجد بخواره. وفى رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء الناس لما رأوا به. وفى رواية المطلب بن أبى وداعة: حتى تصدّع وانشقّ، حتى جاء النبى ﷺ فوضع يده عليه فسكت. وزاد غيره: فقال النبىّ ﷺ «إن هذا بكى لما فقد من الذّكر». وزاد غيره: «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزّنا على رسول الله» ﷺ، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن تحت المنبر. وفى حديث أبىّ بن كعب: فكان إذا صلّى النبى ﷺ صلّى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبىّ فكان عنده إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا. وذكر الإسفراينىّ: أن النبىّ ﷺ دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفى حديث بريدة فقال النبىّ ﷺ: «إن شئت أردك إلى الحالط الذى كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكتمل خلقك ويجدّد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك»، ثم أصغى له النبى ﷺ يستمع ما يقول فقال: بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون فى مكان لا أبلى فيه. فسمعه من يليه، فقال النبى ﷺ: «قد فعلت- ثم قال- اختار دار البقاء على دار الفناء».

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.