تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أولاد أبى بكر وأزواجه

تزوّج رضى الله عنه فى الجاهلية قتلة- ويقال: قتيلة- بنت عبد العزّى بن عبد [بن] أسعد بن مضر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤىّ، فولدت له عبد الله وأسماء.

وتزوّج أيضا فى الجاهلية أمّ رومان- بفتح الراء وضمها- واسمها زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتّاب ابن أذينه بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة.

أسلمت وهاجرت؛ وكانت قبل أبى بكر تحت عبد الله بن الحارث ابن سخبرة بن جرثومة الخير بن عادية بن مرّة الأزدىّ، وكان قدم بها مكّة، فحالف أبا بكر قبل الإسلام، ثم توفّى عن أمّ رومان، فولدت له الطّفيل، ثم خلف عليها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة؛ فالطّفيل أخوهما لأمّهما، توفيت أم رومان فى ذى الحجة سنة أربع، أو سنة خمس، فنزل رسول الله ﷺ فى قبرها، واستغفر لها. وقال: اللهمّ لم يخف عليك ما لقيت أمّ رومان فيك وفى رسولك.

وروى عن رسول الله ﷺ، أنّه قال: «من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أمّ رومان»

. وتزوّج رضى الله عنه فى الإسلام أسماء بنت عميس الخثعميّة؛ وهى أخت ميمونة زوج النبىّ ﷺ لأمّها، وكانت

عند جعفر بن أبى طالب، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبى بكر، ثم تزوّجها بعده علىّ بن أبى طالب، فولدت له يحيى بن علىّ. وزعم ابن الكلبى أن عون بن علىّ، أمّه أسماء، ولم يقله غيره.

وقيل: كانت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة تسمّى أمة الله. وقيل: أمامة، ثم خلف عليها بعده شدّاد بن الهاد الليّثى، ثم العتوارىّ، حليف بنى هاشم، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن بن شدّاد، ثم خلف عليها بعد شدّاد جعفر بن أبى طالب. وقيل: التى كانت تحت حمزة وشدّاد سلمى بنت عميس أختها أسماء، والله تعالى أعلم بالصواب.

وتزوّج رضى الله عنه فى الإسلام أيضا أمّ حبيبة بنت خارجة ابن زيد بن أبى زهير الأنصارية، من بنى الحارث بن الخزرج، فولدت له بعد وفاته أمّ كلثوم.

ولنصل هذا الفصل بذكر شيىء من أولاد أبى بكر رضى الله عنهم.

وأمّا عبد الله بن أبى بكر رضى الله عنهما، فكان قديم الإسلام إلّا أنّه لم يسمع له بمشهد إلّا شهوده الفتح وحنينا والطائف.

ورمى بالطائف بسهم؛ قيل: رماه به أبو محجن، فاندمل جرحه، ثم انتقض عليه، فمات فى شوّال سنة إحدى عشرة.

وكان قد ابتاع الحلّة التى أرادوا دفن رسول الله ﷺ فيها بسبعة دنانير ليكفّن فيها، فلما حضرته الوفاة، قال: لا تكفّنونى فيها، فلو كان فيها خير كفّن رسول الله

صلّى الله عليه وسلم فيها، ودفن بعد الظهر، وصلّى عليه أبوه، ونزل قبره عمر بن الخطاب وطلحة وعبد الرحمن أخوه.

وكان عبد الله رضى الله عنه زوج عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل العدويّة، أخت سعيد بن زيد، وكانت من المهاجرات، وكانت حسناء جميلة بارعة، فأولع بها، وشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها لذلك؛ فقال: هذه الأبيات:

يقولون طلقها وخيّم مكانهامقيما، تمنّى النّفس أحلام نائم
وإنّ فراقى أهل بيت جميعهمعلى كبرة منّى لإحدى العظائم
أرانى وأهلى كالعجول تروّحتإلى بوّها قبل العشار الرّوائم

فعزم عليه أبوه حتى طلقها، ثم تبعتها نفسه، فهجم عليه أبو بكر رضى الله عنه وهو يقول:

أعاتك لا أنساك ماذرّ شارقوما ناح قمرىّ الحمام المطوّق
أعاتك قلبى كلّ يوم وليلةإليك بما تخفى النفوس معلّق
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
فلم أر مثلى طلّق اليوم مثلهاولا مثلها فى غير جرم تطلّق
لها خلق جزل ورأى ومنصبوخلق سوىّ فى الحياء ومصدق

فرقّ له أبوه، وأمره بمراجعتها فارتجعها؛ وقال هذه الأبيات:

أعاتك قد طلّقت فى غير ريبةوروجعت للأمر الذى هو كائن
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
كذلك أمر الله غاد ورائحعلى النّاس فيه ألفة وتباين
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
وما زال قلبى للتفرّق طائراوقلبى لما قد قرّب الله ساكن
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
فإنّك ممّن زيّن الله وجههوليس لوجه زانه الله شائن
للشاعر عبد الله ابن أبي بكر الصديق، اقرأ القصيدة

فلما مات عبد الله صارت عاتكة ترثية بهذه الأبيات:

رزئت بخير النّاس بعد نبيّهموبعد أبى بكر وما كان قصّرا
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
فآليت لا تنفكّ عينى حزينةعليك، ولا ينفك جلدى أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتىأكرّ وأحمى فى الهياج وأصبرا
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
إذا شرعت فيه الأسنّة خاضهاإلى الموت حتى يترك الرّمح أحمرا

ثم تزوّجت بعده زيد بن الخطاب، على اختلاف فى ذلك؛ فقتل عنها يوم اليمامة شهيدا، فتزوّجها عمر بن الخطاب فى سنة اثنتى عشرة، فأولم عليها، ودعا عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ﷺ، وفيهم علىّ بن أبى طالب؛ فقال له: دعنى أكلّم عاتكة: قال: نعم، فأخذ بجانب الحذر. ثم قال: يا عديّة نفسها، أين قولك:

فآليت لا تنفكّ عينى حزينةعليك ولا ينفك جلدى أغبرا

فبكت. فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟! كلّ النساء يفعلن هذا، ثم قتل عنها عمر، فقالت تبكيه:

عين جودى بعبرة ونحيبلا تملّى على الجواد النّجيب
فجعتنى المنون بالفارس المعلميوم الهياج والتّثويب
قل لأهل الضّرّاء والبؤس موتواقد سقته المنون كأس شعوب
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة

وقالت أيضا ترثيه بهذه الأبيات:

منع الرقاد فعاد عينى عائدمما تضمّن قلبى المعمود
يا ليلة حبست علىّ نجومهافسهرتها والشّامتون رقود
قد كان يسهرنى حذارك مرّةفاليوم حقّ لعينى التّسهيد
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
أبكى أمير المؤمنين ودونهللزائرين صفائح وصعيد
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة

ثم تزوّجها الزّبير بن العوّام فقتل عنها؛ فقالت ترثيه بهذه الأبيات:

غدر ابن جرموز بفارس بهمّةيوم اللّقاء وكان غير معرّد
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
يا عمرو لو نبّهته لوجدتةلا طائشا رعش الجنان ولا اليد
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
كم غمرة قد خاضها لم يثنهعنها طرادك يا بن فقع القردد
للشاعر عاتكة بنت زيد، اقرأ القصيدة
ثكلتك أمّك إن ظفرت بمثلهفيما مضى ممن يروح ويغتدى
والله ربّك إن قتلت لمسلماحلّت عليك عقوبة المتعمّد

ثم خطبها علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه بعد انقضاء عدّتها، فأرسلت إليه. إنّى لأضنّ بك يا بن عمّ رسول الله عن القتل! وإنما ذكرنا ما ذكرنا من خبر عاتكة فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد؛ فالشّىء بالشىء يذكر، فلنذكر عبد الرحمن ابن أبى بكر.

وأمّا عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنه؛ فهو أسنّ ولد أبى بكر، وكان يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبا محمد، بابنه محمد الذى يقال له: أبو عتيق، والد عبد الله بن أبى عتيق، وأدرك أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن رسول الله ﷺ هو وأبوه وجدّه، وجدّ أبيه؛ أربعتهم، أجمعوا على أنّ هذه المنقبة ليست

لغيرهم، روى البخارىّ ﵀، قال: قال موسى بن عقبة: ما نعلم أحدا فى الإسلام أدركوا هم وأبناؤهم النّبىّ ﷺ أربعة إلّا هؤلاء الأربعة: أبو قحافة، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن ابن أبى بكر، وابنه عتيق بن عبد الرحمن.

وعبد الرحمن شقيق عائشة؛ شهد عبد الرحمن بدرا وأحدا مع قومه، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبو بكر ليبارزه، فذكر أنّ النبىّ ﷺ قال له: «متّعنى بنفسك». ثم أسلم عبد الرحمن، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله ﷺ فى هدنة الحديبية.

وكان اسمه فى الجاهلية عبد الكعبة، فسمّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وكان رضى الله عنه من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، حضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم محكّم اليمامة طفيل، رماه بسهم فى نحره فقتله.

ولما فتحت دمشق نفله عمر ليلى بنت الجودى، وكان قد رآها قبل ذلك، وكان يتشبّب بها. وشهد عبد الرحمن الجمل مع عائشة، وكان ابنه محمد يومئذ مع علىّ.

قال أبو عمر بن عبد البر: ولما قعد معاوية على المنبر، ودعا إلى بيعة يزيد، كلّمه الحسين بن علىّ وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرّحمن بن أبى بكر، فكان كلام عبد الرحمن: أهرقليّة! إذا مات كسرى كان كسرى مكانه! لا نفعل والله ابدا. وبعث إليه معاوية

بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد فردّها عبد الرحمن.

وقال: أبيع دينى بدنياى! وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تمّ البيعة ليزيد.

ويقال: إنه [مات] فجأة بموضع يقال له: الحبشىّ على نحو عشرة أميال من مكّة، وحمل إلى مكة فدفن بها.

وقيل: إنّه توفى فى نومة نامها، وكانت وفاته فى سنة ثلاث وخمسين. وقيل: سنة خمس وخمسين، والأول أشهر.

ولما اتّصل خبر وفاته بعائشة أمّ المؤمنين أخته، ظعنت من المدينة حاجّة حتى وقفت على قبره، وتمثّلت بهذه الأبيات:

وكنّا كندمانى جذيمة حقبةمن الدّهر حتى قبل لن يتصدّعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

وقالت: أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث متّ مكانك، ولو حضرتك ما بكيتك! رضى الله عنهما.

وأما محمّد بن أبى بكر رضى الله عنهما، فإنه ولد فى عقب ذى الحجة سنة عشر من الهجرة بذى الحليفة، أو بالشجرة، وسمّته عائشة محمدا، وكنّته أبا القاسم، ثم كان محمد بعد وفاة أبى بكر فى حجر علىّ بن أبى طالب لما تزوّج أمّه أسماء بنت عميس، وكان محمّد على رجّالة علىّ يوم الجمل، وشهد معه أيام صفّين، ثم ولّاه مصر، فقتل بها. واختلفوا فى قتله، فقيل: قتله معاوية بن حديج صبرا،

وذلك فى سنة ثمان وثلاثين؛ وقيل: إنّه لمّا ولّاه على مصر سار إليه عمرو بن العاص من قبل معاوية فاقتتلوا، فانهزم أصحاب محمد وفرّ هو، فدخل خربة فيها حمار ميّت، فدخل فى جوفه، فأحرق فى جوف الحمار؛ وقيل: بل قتله معاوية بن حديج فى المعركة، ثم أحرق فى جوف الحمار بعد ذلك، وقيل: إنّه أتى عمرو بن العاص فقتله صبرا بعد أن قال له: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟

فقال: لا، فأمر به فقتل.

وكان علىّ يثنى على محمد خيرا، ويفضّله؛ لانه كانت له عبادة واجتهاد؛ وكان ممّن دخل على عثمان حين أرادوا قتله، فقال له عثمان:

لو رآك أبوك لم يرض بهذا المقام منك! فخرج عنه وتركه، روى محمد بن طلحة، عن كنانة مولى صفيّة بنت حيىّ- وكان شهد يوم الدّار- أنّه لم ينل محمد بن أبى بكر دم عثمان بشىء. قال:

محمد بن طلحة: فقلت: لكنانة: فلم قيل: إنّه قتله؟ قال: معاذ الله أن يكون قتله! إنّما دخل عليه، فقال له عثمان: يا بن أخى، لست بصاحبى، وكلّمه عثمان بكلام فخرج ولم ينل دمه بشىء. فقلت لكنانة: فمن قتله؟ قال: رجل من أهل مصر يقال له: جبلة ابن الأيهم.

وأمّا عائشة رضى الله عنها فقد تقدّم ذكرها فى السيرة النبوية فى أزواج النبىّ ﷺ، أمّهات المؤمنين رضى الله عنهنّ.

وأما أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه فهى قديمة الإسلام.

قال ابن إسحاق: أسلمت بعد سبعة عشر، وكانت تحت الزّبير

ابن العوام رضى الله عنه، وهاجرت إلى المدينة وهى حامل بعبد الله ابن الزبير، فوضعته بقباء، وكانت تسمّى ذات النّطاقين، وقد تقدّم الخبر فى تسميتها بذلك فى سيرة سيدنا رسول الله ﷺ عند خروجه من مكة إلى الهجرة.

توفيت أسماء بمكّة فى جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين بعد مقتل ابنها عبد الله، وقد بلغت مائة سنة.

وأمّ كلثوم بنت أبى بكر رضى الله عنه، تزوّجها طلحة بن عبيد الله رضى الله عنهما، فولدت له عائشة بنت طلحة، فتزوجها عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبى بكر الصّديق. ولعائشة بنت طلحة أخبار تقدّم ذكرها، وتزوّجت عائشة بعد عبد الله مصعب بن الزبير، ولم تلد من أحد من أزواجها غير عبد الله، ولدت له عمران، وعبد الرحمن، وأبا بكر، وطلحة، ونفيسة، تزوجها الوليد بن عبد الملك، وكان ابنها طلحة أجود أجواد قريش، وله يقول الحزين الدّيلىّ:

فإن تك با طلح أعطيتنىعذافرة تستخفّ الضّفارا
فما كان نفعك مرّةولا مرّتين ولكن مرارا
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة
أبوك الذى صدّق المصطفىوسار مع المصطفى حيث سارا
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة
وأمّك بيضاء تيميّةإذا نسب الناس كانت نضارا
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة

وطلحة هذا، ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصّديق رضى الله عنه.

وطلحة هذا هو جدّى الذى أنسب إليه. والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.