من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر بيعة عثمان رضى الله عنه
بويع له بالخلافة كما تقدّم فى قصّة الشّورى، وقد اختلف فى يوم بيعته، وهو مرّتب على الخلاف فى تاريخ وفاة عمر رضى الله عنهما، فقيل: [فى] يوم السّبت غرّة المحرم، سنة أربع وعشرين.
ولم يذكر أبو عمر بن عبد البرّ غيره.
وقيل: يوم الاثنين لليلة بقيت من ذى الحجّة، سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته شهر المحرّم، سنة أربع وعشرين، قاله أبو جعفر.
قال: وقيل: لعشر خلون من المحرّم بعد مقتل عمر بثلاث ليال.
قال: استخلف وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذّن صهيب، واجتمعوا فى ذلك بين الأذان والإقامة، فخرج فصلّى بالنّاس، وزادهم مائة مائة، ووفّد أهل الأنصار، وهو أوّل من صنع ذلك.
قال: وقيل: لمّا بايع أهل الشّورى عثمان رضى الله عنه، خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى منبر النّبىّ ﷺ [فخطب فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبىّ ﷺ] وقال:
أيها النّاس، إنّكم فى دار قلعة، وفى بقيّة أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبّحتم أو مسّيتم، ألا وإنّ الدّنيا طويت على الغرور فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
واعتبروا بمن مضى، ثم جدّوا ولا تغفلوا؛ فإنّه لا يغفل عنكم.
أين أبناء الدّنيا وإخوانها الّذين أثاروها وعمروها، ومتّعوا بها طويلا! ألم تلفظهم! رموا بالدّنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة؛ فإنّ الله ﷿ قد ضرب لها مثلا وللّذى هو خير، فقال:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ...
إلى قوله:
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا
وكان أوّل كتاب كتبه إلى عمّاله:
أمّا بعد؛ فإنّ الله تعالى أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدّم إليهم أن يكونوا جباة، وأنّ صدر هذه الأمّة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكنّ أئمّتكم أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء.
ألا وإنّ أعدل السّيرة أن تنظروا فى أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنّوا بالذّمة فتعطوهم الذى لهم، وتأخذوهم بالّذى عليهم، ثم العدوّ الذى تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
وكان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد فى الفروج:
أمّا بعد، فإنّكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر رضى الله عنه ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملإ منّا، ولا يبلغنا عن أحد منكم تغيير ولا تبديل، فيغيّر الله بكم، ويستبدل بكم غيركم.
فانظروا كيف تكونون، فإنّى أنظر فيما ألزمنى الله النّظر فيه والقيام عليه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع