من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزو افريقية وفتحها
وفيها بعث عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبى سرح إلى أطراف إفريقيّة غازيا بأمر عثمان فغنم وعاد، وكتب إلى عثمان بستأذنه فى غزوها، فأذن له، وعزل عمرو بن العاص عن خراج مصر. واستعمل عبد الله بن سعد فى سنة ستّ وعشرين، فتنازعا الأمر.
فكتب عبد الله إلى عثمان أنّ عمرا كسر علىّ الخراج، وكتب عمرو إنّ عبد الله كسر علىّ مكيدة الحرب. فعزل عثمان عمرا واستقدمه، واستعمل عبد الله على حرب مصر وخراجها، وأمره أن يغزو إفريقيّة وقال: إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس نفلا.
وأمّر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع ابن الحارث على جند، وسرّحهما، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله ابن سعد على صاحب إفريقيّة، ثم يقيم عبد الله فى عمله [فخرجوا] ووصلوا إلى أرض إفريقيّة فى عشرة آلاف من شجعان الإسلام، فصالحهم أهل إفريقيّة على مال يؤدّونه، ولم يقدموا على دخول إفريقيّة والتّوغّل فيها لكثرة أهلها.
ثم أرسل عبد الله إلى عثمان يستشيره فى قصد إفريقيّة، وفتحها، فجهّز إليه عثمان جماعة من أعيان الصّحابة، منهم عبد الله بن عبّاس وغيره، فسار بهم ابن سعد إلى إفريقيّة.
فكان من أمر فتح إفريقيّة ما نذكره إن شاء الله تعالى فى الباب السّادس من القسم الخامس من هذا الفنّ فى أخبار إفريقيّة، وبلاد المغرب بما هو أبسط من هذا القول، وهو السّفر الثّانى والعشرون من هذه النّسخة.
قال: لمّا فتحت سبيطلة وهى دار الملك، وجد فيها من الأموال ما لم يكن فى غيرها، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وسهم الرّاجل ألف دينار.
وبعث عبد الله بن سعد جيوشه فى البلاد، فبلغت قفصة، فسبوا وغنموا، وبعث عسكرا إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل البلاد، فحصره وفتحه بالأمان، فصالحه أهل إفريقيّة على الفىء، ألف وخمسمائة ألف دينار.
وسار عبد الله بن الزّبير إلى عثمان بالبشارة، وتنفّل بابنة الملك، ثم عاد عبد الله بن سعد من إفريقيّة إلى مصر، وكان مقامه بها سنة وثلاثة أشهر، ولم يفقد من المسلمين إلّا ثلاثة عشر رجلا، وحمل خمس إفريقيّة إلى المدينة، فابتاعه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان وهو مما أخذ عليه، وأنكره الصّحابة رضى الله تعالى عنه، وقال فى ذلك عبد الرحمن بن حنبل أحد الصّحابة رضى الله تعالى عنهم:
أحلف بالله جهد اليمينما ترك الله أمرا سدى
ولكن جعلت لنا فتنةلكى نبتلى بك أو تبتلى
دعوت الطريد فأدنيتهخلافا لما سنّه المصطفى
وولّيت قرباك أمر العبادخلافا لسنّة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيمة آثرته وحميت الحمى
وما لا أتانى به الأشعرىّمن الفىء أعطيته من دنا
فإنّ الأمينين قد بيّنامنار الطّريق عليه الهدى
فما أخذا غيلة درهماولا قسّما درهما فى هوى
قال: ولما فتحت إفريقيّة أمر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس أن يسير إلى الأندلس، فأتاها من البحر، ففتح الله تعالى على المسلمين.
وفى سنة سبع وعشرين فتحت إصطخر، وهو الفتح الثانى، وكان فتحها الآن على يد عثمان بن أبى العاص.
وقد ذكرنا الأول فى خلافة عمر. وفيها غزا معاوية بن سفيان رضى الله تعالى عنه قبرس.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع