تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مراسلة على طلحة والزبير وأهل البصرة فى الصلح وإجابتهم إليه وانتظام الصلح وكيف أفسده قتلة عثمان

قال: وأقام علىّ- رضى الله عنه- بذى قار، فأرسل القعقاع بن عمرو إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين وادعهما إلى الألفة والجماعة وعظّم عليهما الفرقة. (وكان القعقاع من أصحاب النبى ﷺ.

فخرج حتّى قدم البصرة، فبدأ بعائشة فسلّم عليها وقال:

أى أمّه، ما أشخصك وما أقدمك هذه البلد؟ قالت: أى بنىّ، الإصلاح بين الناس. قال: فابعثى إلى طلحة والزّبير حتّى تسمعى كلامى وكلامهما، فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إنّى سألت أمّ المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت الإصلاح، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان

أم مخالفان؟ قالا: متابعان. قال: فأخبرانى ما وجه هذا الإصلاح فو الله لئن عرفناه ليصلحنّ ولئن أنكرناه لا يصلح. قالا:

قتلة عثمان، فإنّ هذا إن ترك كان تركا للقرآن! قال:

«قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم! قتلتم ستّمائة رجل فغضبت لهم ستة آلاف واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فارس، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والّذين اعتزلوكم فأديلو عليكم فالّذى حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تكرهون، وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير!» قالت عائشة فما تقول أنت قال «أقول إنّ هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلا خير وتباشير رحمة ودرك بثأر، وإن أبيتم إلّا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شرّ وذهاب هذا الثأر، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خيركما كنتم، ولا تعرّضونا للبلاء فتتعرّضوا له فيصرعنا وإيّاكم، وايم الله إنّى لأقول هذا القول وأدعوكم إليه وإنى لخائف أن لا يتمّ حتّى يأخذ الله حاجته من هذه الأمّة التى قلّ

متاعها ونزل بها ما نزل، فإنّ هذا الأمر الّذى حدث أمر ليس يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النّفر الرجل ولا القبيلة [الرجل] قالوا: «قد أصبت وأحسنت، فارجع، فإن قدم علىّ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر».

فرجع إلى علىّ، فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه.

وأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علىّ بذى قار، قبل رجوع القعقاع، لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أىّ حال نهضوا إليهم، وليعلموهم أنّ الذى عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالهم على بال.

فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، وأدخلوهم على علىّ فأخبروه بخبرهم.

ورجعت وفود أهل البصرة برأى أهل الكوفة، ورجع القعقاع من البصرة.

فقام علىّ رضى الله عنه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمّة والجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ، ثم الّذى يليه، ثم الّذى يليه، ثم حدث هذا الحدث الّذى جرّه على هذه الأمّة أقوام طلبوا هذه الدنيا وحسدوا من أفاءها الله عليه) وعلى الفضيلة (التّى منّ الله

بها)، وأرادوا ردّ الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره.

ثم قال: ألا وإنّى راحل غدا، فارتحلوا، ولا يرتحلنّ معنا أحد أعان على عثمان بشىء من أمور الناس، وليغن السفهاء عنّى أنفسهم. والله أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.