تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر اجتماع قتلة عثمان بذى قار وتشاورهم وما اتفقوا عليه من المكيدة التى اقتضت نقض الصلح ووقوع الحرب

قال: ولما قال علىّ رضى الله عنه مقالته بذى قار، وأمر ألّا يرتحل معه أحد ممّن أعان على عثمان بشىء اجتمع نفر منهم علباء بن الهيثم وعدى بن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسى وشريح بن أبى أوفى والأشتر، فى عدّة ممّن سار إلى عثمان أو رضى بسير من سار إليه وجاء معهم المصريون وابن السوداء وخالد بن ملجم، فتشاوروا فقالوا «ما الرأى؟ هذا علىّ وهو والله أبصر بكتاب الله ممّن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلّا هم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه ورأوا قلّتنا فى كثرتهم؟ وأنتم والله ترادون،

وما أنتم بالحى من شىء!» فقال الأشتر: «قد عرفنا رأى طلحة والزّبير فينا، وأمّا رأى علىّ فلم نعرف رأيه إلى اليوم، ورأى الناس فينا واحد، فان يصصلحوا مع علىّ فعلى دمائنا، فهلمّوا بنا نثب على علىّ فنلحقه بعثمان، فتعود فتنه يرضى منّا فيها بالسكون.» فقال عبد الله بن السوداء «بئس الرأى والله [رأيت]، أنتم يا قتلة عثمان بذى قار ألفان وخمسمائة، أو نحو من ستّمائة، وهذا ابن الحنظليّة- يعنى طلحة- وأصحابه فى نحو خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا!» فقال علباء بن الهيثم «انصرفوا بنا عنهم، ودعوهم، فإن قلّوا كان لعدوّهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، ودعوهم وارجعوا فتعلّقوا ببلد من البلدان حتّى يأتيكم فيه من تقوون به، وامتنعوا من الناس.»

فقال ابن السوداء «بئس والله ما رأيت، ودّ والله الناس أنّكم انفردتم ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو انفردتم لتخطّفكم الناس وكل شىء!» فقال عدىّ بن حاتم: «والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد عجبت من تردّد من تردّد عن قتله فى خوض الحديث، فأمّا إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة فإنّ لنا عتادا من خيول وسلاح، فإن أقدمتم أقدمنا، وأن أمسكتم أمسكنا!» فقال ابن السوداء:

أحسنت! وقال سالم بن ثعلبة: «من كان أراد بما أتى الدنيا فإنى لم أرد ذلك، وو الله لئن لقيتهم غدا لا أرجع إلى شىء

وأحلف بالله إنكم لتفرقون الناس بالسيف فرّق قوم لا تصير أمورهم إلّا إلى السيف!» فقال ابن السوداء: قد قال قولا.

وقال شريح بن أبى أوفى: «أبرموا أمركم قبل أن يخرجوا، ولا تؤخروا أمرا ينبغى لكم تعجيله، ولا تعجّلوا أمرا ينبغى لكم تأخيره فإنّا عند الناس بشرّ المنازل، ولا أدرى ما الناس صانعون إذا ما هم التقوا!» وقال ابن السوداء: «يا قوم، إن عزّكم فى خلط الناس، فإذا التقى الناس غدا فأنشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بدّا من أن يمتنع، ويشغل الله عليّا وطلحة والزّبير ومن رأى رأيهم عمّا تكرهون!».

فأبصروا الرأى، وتفرّقوا عليه، والناس لا يشعرون.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.