تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر سرايا معاوية الى بلاد على بن أبى طالب رضى الله عنه

لمّا كان من أسر الحكمين ما ذكرنا، وملك معاوية مصر، استشرفت نفسه إلى غير ذلك، فلما كان فى سنة تسع وثلاثين بثّ سراياه فى أطراف بلاد علىّ رضى الله عنه.

فبعث النعمان بن بشير فى ألف رجل إلى عين التمر وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلىّ فى ألف رجل، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة، ولم يبق معه إلّا مائة رجل، فلما سمع خبر النعمان كتب إلى علىّ رضى الله عنه يستمده، فندب الناس إلى الخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، وجعل وراء القرية فى ظهر أصحابه، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستغيثه وهو قريب منه، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن فى خمسين رجلا، فانتهوا إلى مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، وذلك بعد أن قاتلوا قتالا شديدا، فلما رآهم أهل الشام انهزموا بعد العشاء، وظنوا أنّ لهم مددا، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر.

وبعث سفيان بن عوف فى ستة آلاف، وأمره أن يأتى هيت

فيقطعها، ثم يأتى الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها، فأتى هيت فلم يجد بها أحدا، ثم أتى الأنبار وفيها مسلحة لعلى تكون خمسمائة رجل، وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلّا مائتا رجل، وكان سبب تفرقهم أن أميرهم كميل بن زياد بلغه أن قوما بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت، فسار إليهم، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب، فقاتل سفيان من وجد هناك فصبروا له، ثم قتل صاحبهم وهو أشرس ابن حسّان البكرىّ وثلاثون رجلا، واحتمل أصحاب سفيان ما فى الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر عليا فأرسل فى طلبهم فلم يدركوا.

وبعث عبد الله ابن مسعدة بن حكيم بن مالك بن بدر الفزارىّ فى ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يأخذ صدقة من مرّ به من أهل البوادى ويقتل من امتنع، ففعل ذلك، وبلغ مكة والمدينة، واجتمع إليه بشر كثير من قومه. وبلغ ذلك عليا فأرسل المسيّب بن نجبة الفزارى فى ألفى رجل، فلحق عبد الله بتيماء فاقتتلوا قتالا شديدا حتّى زالت الشمس، وحمل المسيّب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله، ويقول له: النّجاء النّجاء. فدخل ابن مسعدة وجماعة من أصحابه الحصن وهرب الباقون نحو الشام، وانتهب الأعراب إبل الصّدقة التى كانت مع ابن مسعدة وحصره ثلاثة

أيام، ثم ألقى الحطب فى الباب وحرقه، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا: قومك يا مسيّب!: فرقّ لهم وأمر بالنار فأطفئت، وقال لأصحابه: قد جاءنى عيون فأخبرونى أن جندا قد أتوكم من الشام.

وبعث معاوية أيضا الضحّاك بن قيس فى ثلاثة آلاف رجل، أمره أن يمر بأسفل واقصة، ويغير على كل من مر به ممن هو فى طاعة علىّ من الأعراب، فسار وقتل الناس وأخذ الأموال، ومضى إلى الثعلبية فأغار على مسلحة علىّ وانتهى إلى القطقطانة، فلما بلغ ذلك عليا أرسل حجر بن عدى إليّه فى أربعة آلاف وأعطاهم خمسين درهما، فلحق الضحاك بتدمر فقتل من أصحابه تسعة عشر رجلا، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه.

وسار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم رجع.

وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرّهاوىّ إلى مكة لأخذ البيعة له، وإقامة الحج بالناس، ومعه ثلاثة آلاف، فسار إلى مكة وبها قثم بن العباس من قبل علىّ، فأراد مفارقتها، واللحاق ببعض شعابها، فنهاه

أبو سعيد الخدرىّ، وكتب قثم إلى على يستمده، ووصل يزيد إلى مكة قبل التّروية بيومين، فما تعرض للقتال، ونادى فى الناس:

أنتم آمنون إلّا من قاتلنا ونازعنا. واتفق قثم ويزيد أن يعتزلا الصلاة بالناس، واختارا شيبه بن عثمان، فصلّى بالناس وحج بهم، ولما انقضى الحج رجع يزيد إلى الشام، وأقبلت خيل علىّ مددا لقثم، وفيهم الرّيّان ابن ضمرة الحنفى، وأبو الطّفيل، وعليهم معقل بن قيس، فتبعوه فأدركوه وقد دخل وادى القرى، وظفروا بنفر من أصحابه فأخذوهم أسارى ورجعوا بهم إلى على، ففادى بهم أسارى كانت لهم عند معاوية.

وبعث معاوية عبد الرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وبها شبيب بن عامر بنصيبين، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم، فسار كميل إليهم نجدة له فى ستمائة فارس، فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السّلمىّ فقاتلهما كميل فهزمهما، وغلب على عسكرهما، وأكثر القتل فى أهل الشام، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين فرأى كميلا قد أوقع بالقوم فهنأه بالظّفر، واتّبع الشاميين فلم يدركهم، فعبر الفرات وبثّ خيله فأغارت على أهل الشام حتّى بلغ بعلبك، فوجه إليه معاوية حبيب بن مسلمة فلم يدركه، ورجع شبيب فأغار على نواحى الرقّة، فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها، ولا خيلا

ولا سلاحا إلّا أخذه، وعاد إلى نصيبين. وكتب إلى علىّ رضى الله عنه فكتب إليه ينهاه عن أخذ أموال الناس إلّا الخيل والسلاح الذى يقاتلونه به، وقال: رحم الله شبيبا، لقد أبعد الغارة، وعجّل الانتصار.

ولما فعل شبيب ذلك وقدم يزيد بن شجرة على معاوية بعث معاوية الحارث بن نمر التّنوخىّ إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان فى طاعة علىّ، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بنى تغلب، وكان جماعة من بنى تغلب قد فارقوا عليّا إلى معاوية فسألوه فى إطلاق أصحابهم فلم يفعل فاعتزلوه أيضا، وفادى معاوية بهم من كان أسرهم معقل بن قيس من أصحاب ابن شجرة.

وبعث معاوية زهير بن مكحول العامرىّ إلى السّماوة ليأخذ صدقات الناس، فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة نفر، وهم: جعفر بن عبد الله الأشجعىّ، وعروة بن العشبة والجلاس بن عمير الكلبيين؛ ليأخذوا صدقه من فى طاعته من كلب وبكر بن وائل، فوافوا زهيرا فاقتتلوا، فانهزم أصحاب علىّ رضى الله عنه، وقتل جعفر، ولحق ابن العشبة بعلىّ فعنفه وعلاه بالدّرّة، فغضب ولحق بمعاوية. وأما ابن الجلاس فإنه مرّ براع فأخذ جبتّه وأعطاه جبة خزّ فأدركته الخيل،

فقالوا: أين أخذ هؤلاء التّرابيون ؟ فأشار إليهم: أخذوا ها هنا.

ثم أقبل إلى الكوفة.

وبعث أيضا مسلم بن عقبة المرىّ إلى دومة الجندل، وكان أهلها قد امتنعوا من بيعة علىّ ومعاوية جميعا، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته، فامتنعوا، وبلغ ذلك عليّا، فبعث مالك بن كعب الهمذانى فى جمع إلى دومة الجندل، فلم يشعر مسلم إلّا وقد وافاه مالك، فاقتتلوا يوما ثم انصرف مسلم منهزما، وقام مالك أياما يدعو أهل دومة الجندل إلى بيعة علىّ، فأبوا وقالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام، فانصرف عنهم وتركهم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.