تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر قدوم عمرو بن العاص على معاوية وصلحه معه

كان عمرو بن العاص قد فارق المدينة وقدم إلى فلسطين فى آخر أيام عثمان، فأقام هناك حتى قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه، وقد ذكرنا فى خلافة عثمان سبب خروج عمرو، فلما أتاه الخير بقتل عثمان قال: «أنا أبو عبد الله، أنا قتلته وأنا بوادى السبع

إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبى طالب فهو أكره من يليه إلى!».

فأتاه الخبر ببيعة على، فاشتد عليه، فأقام ينتظر ما يصنع الناس، فأتاه خبر مسير عائشة وطلحة والزبير، فأقام ينتظر ما يصنعون، فأتاه خبر وقعة الجمل، فأرتج عليه.

فسمع أن معاوية امتنع من بيعة على رضى الله عنه وأنه يعظم شأن عثمان، فدعا ابنيه، فاستشارهما، وقال: «ما تريان؟

أما على فلا خير عنده، وهو يدل بسابقته، وهو غير مشركى فى أمره».

فقال له ابنه عبد الله: «يا أبت، توفى النبى ﷺ وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون، فأرى أن تكف يدك وتجلس فى بيتك حتى يجتمع الناس». وقال له محمد: «يا أبت، أنت ناب من أنياب العرب، ولا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت». فقال عمرو: «أما أنت يا عبد الله فأمرتنى بما هو خير لى فى دينى، وأما أنت يا محمد فأمرتنى بما هو خير لى فى دنياى وشرّ لى فى آخرتى».

ثم خرج ومعه ابناه حتّى قدم على معاوية (وقيل: إنه ارتحل من فلسطين وهو يبكى كما تبكى المرأة، ويقول: واعثماناه! أنعى الحياء والدّين، حتى قدم دمشق) فوجد أهل الشام يحضّون معاوية على الطلب بدم

عثمان. فقال لهم: أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. ومعاوية لا يلتفت إليه، فقال له ابناه: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إليك، انصرف إلى غيره، فدخل عليه فقال: «والله لعجب لك أنى أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عنى، إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن فى النفس ما فيها، حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنّا إنّما أردنا هذه الدنيا». فصالحه معاوية وعطف عليه واقتدى بآرائه، وشهد عمرو معه صفين، وحكّمه، وكان من أمره معه ما تقدم، والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.