من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ما قصده معاوية من نقل المنبر من المدينة إلى الشام ومن قصد ذلك بعده من الأمراء
فى هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله ﷺ أن يحمل إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النبى ﷺ بالمدينة، وهم قتلة عثمان. فطلب العصا، وهى عند سعد القرظ وحرّك المنبر، فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك، فتركه.
وقيل: أتاه جابر وأبو هريرة فقالا: يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله ﷺ من موضع وضعه، وتنقل
عصاه إلى الشام فانقل المسجد، فتركه وزاد فيه ست درجات، واعتذر مما صنع.
فلما ولى عبد الملك بن مروان همّ بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله أن لا تفعل، إن معاوية حركه فكسفت الشمس،
وقال رسول الله ﷺ: «من حلف على منبرى آثما فليتبوأ مقعده من النار»
وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة. فتركه عبد الملك.
فلما ولى الوليد ابنه وحج همّ بذلك، فأرسل سعيد بن المسيّب إلى عمر بن عبد العزيز فقال: كلّم صاحبك لا يتعرّض للمسجد ولا لله والسخط له، فكلّمه عمر فتركه.
فلما حجّ سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد، فقال سليمان: «ما كنت أحبّ أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا، ولا عن الوليد، ما لنا ولهذا؟ أخذنا الدنيا فهى فى أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الاسلام يوفد إليه فنحمله، هذا ما لا يصلح!».
وفيها عزل معاوية معاوية بن حديج عن مصر، واستعمل عليها مسلمة بن مخلّد مع إفريقية وكان على إفريقية عقبة بن نافع، وكان قد اختطّ قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيّات فدعا الله عليها، فلم يبق منها شىء إلا خرج هاربا، حتّى إن كانت السباع لتحمل أولادها، وبنى الجامع، فلما عزله معاوية عن إفريقية
وأضافها إلى مسلمة بن مخلّد استعمل على إفريقية مولى له يقال له: «أبو المهاجر»، فلم يزل عليها حتّى هلك معاوية.
وقيل: إن عقبة بن نافع ولى إفريقية فى هذه السنة وعمّر مدينة القيروان، وكانت غيضة على ما تقدم، فدعا الله تعالى، وكان مستجاب الدعوة، ثم نادى: «أيّتها الحيّات والسّباع، إنا أصحاب رسول الله ﷺ ارحلوا عنّا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه».
فنظر الناس إلى الدوابّ تحمل أولادها وتنتقل، فأسلم كثير من البربر، وقطع الأشجار [وأمر ببناء المدينة، فبنيت] وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، وكان دور القيروان ثلاثة آلاف باع وستمائة باع. وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك بما هو أبسط من هذا فى أخبار إفريقة وبلاد الغرب.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع