تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مقتل أبى بلال مرداس بن حدير الحنظلى [١] الخارجى

قد ذكرنا فى أيام معاوية خروجه وأن ابن زياد بعث إليه أسلم بن زرعة الكلابى فى ألفين، فهزمهم بآسك.

فلما كان فى هذه السنة أرسل إليه ابن زياد ثلاثة آلاف، عليهم عباد بن الأخضر التميمى (والأخضر زوج أمه، نسب إليه وإنما هو عباد بن علقمة بن عباد) فسار إليه، واتبعه حتّى لحقه بتوّج، فاقتتلوا حتّى دخل وقت العصر، فقال أبو بلال: هذا يوم جمعة، وهو يوم عظيم، دعونا حتّى نصلّى، فتوادعوا، فعجّل عباد الصلاة وقيل: بل قطعها، والخوارج يصلّون، فشدّ عليهم هو وأصحابه، فقتلوهم وهم ما بين قائم وراكع وساجد، لم يتغير منهم أحد عن حاله، فقتلوا عن آخرهم.

ورجع عباد إلى البصرة برأس أبى بلال، فرصده عبيدة بن هلال ومعه ثلاثة نفر، فأقبل عباد يريد قصر الإمارة، فقالوا له: قف حتّى نستفتيك. فوقف، فقالوا: نحن إخوة أربعة قتل أخونا فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير: قالوا: استعديناه فلم يعدنا.

قال: فاقتلوه قتله الله. فوثبوا عليه وقتلوه، واجتمع الناس على الخوارج فقتلوا.

وفيها استعمل يزيد بن معاوية سلم بن زياد على خراسان وسجستان، وعزل عنهما أخويه: عبد الرحمن وعبّادا ابنى زياد، فكتب عبيد الله بن زياد إلى أخيه عباد يخبره بولاية سلم، فقسم عباد ما فى بيت المال على عبيدة، وفضل فضل فنادى: من أراد سلفا فلياخذ، فأسلف كلّ من أتاه، وخرج عن سجستان، فلما كان بجيرفت بلغه مكان أخيه سلم، وكان بينهما جبل، فعدل عنه، فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك، أقلّ ما مع أحدهم عشرة آلاف، وسار عباد حتى قدم على يزيد، فسأله عن المال، فقال: كنت صاحب ثغر فقسمت ما أصبت بين الناس.

قال: ولما سار سلم إلى خراسان كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد معه بنخبة ستة آلاف فارس، وقيل ألفين، فكان سلم ينتخب الوجوه [والفرسان]، فخرج معه عمران بن الفضيل البرجمى والمهلّب بن أبى صفرة وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعى وغيرهم، وسار حتّى قدم خراسان، وعبر النهر غازيا، وكان عمال خراسان قبله يغزون، فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان، فإذا

انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة ممّا يلى خوارزم، فيتعاقدون ألّا يغزو بعضهم بعضا ويتشاورون فى أمورهم، وكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم غزو تلك المدينة، فيأبون عليهم، فلمّا قدم سلم غزا فشتّى فى بعض مغازيه، فسأله المهلب أن يوجهه إلى تلك المدينه، فوجهه فى ستة آلاف، وقيل: فى أربعة آلاف، فحاصرهم، فطلبوا الصلح على نيّف وعشرين ألف ألف، فصالحهم، وكان فى صلحهم أن يأخذ منهم عروضا، فكان يأخذ العروض من الرقيق والدوابّ والمتاع بنصف قيمتها، فبلغ ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظى بها المهلّب عند سلم، وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد.

وغزا سلم سمرقند، وعبر معه النهر امرأته أم محمد بنت عبد الله ابن عثمان بن أبى العاص الثقفى، وهى أول امرأة من العرب قطع بها النهر، فولدت له ابنا سماه «صغدى» واستعارت امرأته من امرأة صاحب الصّغد حليّها فلم تعده إليها وذهبت به.

ووجّه جيشا إلى خجندة فيهم أعشى همدان، فهزموا، فقال الأعشى فى ذلك:

ليت خيلى يوم الخجندة لم تهزم وغودرت فى المكرّ سليبا
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
تحضر الطير مصرعى وتروّحت إلى الله فى الدّماء خضيبا
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

وفيها عزل يزيد عمرو بن سعيد، واستعمل الوليد بن عتبة ابن أبى سفيان، وسبب ذلك أن الوليد وناسا من بنى أميّة قالوا ليزيد:

لو شاء عمرو لأخذ بن الزبير وسرّح به إليك. فعزله، ولم يكن كذلك، بل كان ابن الزبير كاده.

وحج الوليد فى هذه السنة بالناس.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.