تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ورود الخبر بمقتل الحسين رضى الله عنه إلى المدينة وعود أهله إليها

قال: لما قتل الحسين أمر عبيد الله بن زياد عبد الملك بن الحارث السّلمى بالمسير إلى المدينة؛ ليبشّر عمرو بن سعيد أمير المدينة بقتل الحسين، فاعتذر عبد الملك، فزجره ابن زياد، فخرج حتّى قدم المدينة، فلقيه رجل من قريش فقال: ما الخبر؟ فقال: الخبر عند الأمير. فاسترجع القرشى، وقال: قتل والله الحسين!

ودخل عبد الملك على عمرو بن سعيد فأخبره بقتل الحسين، فقال: ناد بقتله، ففعل، قال عبد الملك: فلم أسمع واعية قطّ مثل واعية نساء بنى هاشم فى دورهن على الحسين! فلما سمع عمرو بن سعيد أصواتهنّ ضحك وقال: واعية بواعية عثمان وأنشد بيت عمرو بن معدى كرب:

عجّت نساء بنى زياد عجّةكعجيج نسوتنا غداة الأرنب
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أبني زياد أنتم في قومكم»

(والأرنب: يوم كان لبنى زبيد على بنى زياد من بنى الحارث بن كعب) ثم صعد عمرو المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين.

قال: ولمّا نودى بقتله خرجت زينب بنت عقيل ابن أبى طالب ومعها نساؤها حاسرة ناشرة شعرها، تلوى ثيابها، وهى تقول:

ماذا تقولون إن قال النبىّ لكم:ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ماذا تقولون إن قال النبي لكم»
بعترتى وبأهلى بعد مفتقدىمنهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
للشاعر ابنة عقيل بن أبي طالب، اقرأ القصيدة
ما كان هذا جزائى إذ نصحت لكمأن تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ماذا تقولون إن قال النبي لكم»

وقيل: سمع بعض أهل المدينة يوم قتل الحسين مناديا ينادى:

أيّها القاتلون جهلا حسيناأبشروا بالعذاب والتّنكيل
كلّ أهل السماء يدعو عليكممن نبى وملأك وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود وموسى وحامل الإنجيل

وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: «رأيت النبى ﷺ فى الليلة التى قتل فيها الحسين وبيده قارورة، وهو يجمع فيها دما، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى!»

فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل الحسين، وقصّ رؤياه.

وروى أن النبى ﷺ أعطى أمّ سلمة ترابا من تربة الحسين، حمله إليه جبريل، فقال النبى ﷺ: «إذا صار التراب هذا دما فقد قتل الحسين»

فحفظت أمّ سلمة ذلك التراب فى قارورة، فلمّا قتل الحسين صار ذلك التراب دما

فأعلمت الناس بقتله. وهذا القول يستقيم على قول من يقول إن أمّ سلمة توفّيت بعد الحسين.

قال: ولما أراد يزيد أن يسيرّ آل الحسين إلى المدينة، أمر النعمان بن بشير أن يجهّزهم بما يصلحهم، ويسيّر معهم رجلا أمينا من أهل الشام، ومعه خيل تسير بهم إلى المدينة، ودعا عليا ليودعه وقال: «لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أنّى صاحبه ما سألنى خصلة أبدا إلّا أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدى، ولكن قضى الله بذلك! كاتبنى بأيّة حاجة تكون لك» وأوصى بهم ذلك الرسول.

فخرج بهم، فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، وإذا نزل تنحى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسائلهم عن حوائجهم ويلطف بهم حتّى دخلوا المدينة.

فقالت فاطمة بنت على لأختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشىء؟ فقالت: والله ما معنا ما نصله به إلّا حلينّا، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا به إليه، واعتذرتا، فردّ الجميع، وقال: لو كان الذى صنعته للدنيا لكان فى هذا ما يرضينى، ولكن والله ما فعلته إلّا لله ولقرابتكم من رسول الله ﷺ.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.