تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مقدم الحسين إلى مكة

وما ورد عليه من كتب أهل الكوفة، وإرساله مسلم بن عقيل إليهم وما كان فى خلال ذلك قال: لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع، فقال له: جعلت فداك أين تريد؟ قال: أمّا الآن فمكة وأمّا بعد

فإنى أستخير الله. فقال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإيّاك أن تقرب الكوفة فإنها بلد مشئومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه، الزم فإنك سيّد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا ويتداعى إليك الناس من كل جانب، ولا تفارق الحرم فداك عمى وخالى، فو الله لئن هلكت لنسترقّنّ بعدك!».

فأقبل حتّى نزل مكة، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزّبير يأتى إليه ويشير عليه بالرأى، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بمكة.

قال: ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمرو ابن الزّبير رضى الله عنهم من البيعة، أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشّيعة فى منزل سليمان بن صرد، فذكروا مسير الحسين رضى الله عنه إلى مكة، وكتبوا إليه عن نفر منهم: سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد وحبيب بن مظهر: «بسم الله الرحمن الرحيم، وسلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو،

أمّا بعد فالحمد لله الذى قصم عدوّك الجبار العنيد الذى انتزى على هذه الأمة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وإنه ليس علينا إمام، فأقبل، لعل الله يجعلنا بك على الحق، والنّعمان بن بشير فى قصر الإمارة لسنا نجتمع معه فى جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». وسيّروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمدانى وعبد الله بن وائل.

ثم كتبوا إليه كتابا آخر وسيّروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحوا من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولا ثالثا يحثّونه على المسير إليهم، ثم كتب إليه شبث بن ربعىّ وحجّار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزّبيدى ومحمد بن عمير التميمى بذلك.

فلما اجتمعت كتبهم عنده كتب إليهم: «أمّا بعد فقد فهمت كلّ الذى اقتصصتم، وقد بعثت إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إلىّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلىّ أنه قد اجتمع رأى ملئكم وذوى الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله تعالى،

فلعمرى ما الإمام إلا العالم بالكتاب، والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام».

وقدم على الحسين رضى الله عنه من البصرة يزيد بن أبى نبيط وابناه عبد الله وعبيد الله إلى مكة، فكانوا معه حتى قتل وقتلوا معه.

ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيّره إلى الكوفة، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين له عجّل إليه بذلك.

فسار مسلم إلى المدينة، فصلى فى مسجد النبى ﷺ وسلم، وودع أهله، وسار حتى بلغ الكوفة، فنزل فى دار المختار وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فيبكون ويعدونه النصرة والقتال، فبلغ النّعمان بن بشير أمير الكوفة ذلك، فصعد المنبر فقال: «أمّا بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال» ثم قال: «إنى لا أقاتل من لم يقاتلنى، ولا أثب على من لا يثب علىّ ولا أنبّه نائمكم ولا أتحرّش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظّنّة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذى لا إله إلا هو لأضربنّكم بسيفى ما دام قائمه فى يدى، ولو لم يكن لى منكم ناصر ولا معين.

أما إنى لأرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرد به الباطل»

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمى حليف بنى أمية فقال: «إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذى أنت عليه رأى المستضعفين». فقال: لأن أكون من المستضعفين فى طاعة الله أحبّ إلىّ من أن أكون من الأعزّين فى معصية الله». ثم نزل.

وكان حليما ناسكا يحب العافية. وقيل: إنه لم يقل ذلك، وإنما قال:

يا أهل الكوفة إن ابن بنت رسول الله ﷺ أحب إلى من ابن بنت بحدل.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.