من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء من سيرته وأخباره
كان يضرب بحلم معاوية المثل، ولم يعرف له زلّة تنافى الحلم إلّا قتل حجر بن عدىّ وأصحابه.
وقد نقل من كلامه ألفاظ، منها أنه قال: إننى لأرفع نفسى أن يكون ذنب أعظم من عفوى، وجهل أكثر من حلمى، وعورة لا أواريها بسترى، أو إساءة أكثر من إحسانى..
وقال: العقل والحلم أفضل ما أعطى العبد، فإذا ذكّر ذكر، وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز..
قال عبد الله بن عمير: أغلظ رجل لمعاوية، فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إنى لا أحول بين الناس وألسنتهم.
ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا.
وروى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن قال: أخبرنا المسور ابن مخرمة أنه وفد على معاوية، قال: فلمّا دخلت عليه سلّمت، فقال: ما فعل طعنك على الأمة يا مسور؟ قلت: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، قال: والله لتكلمنى يذات نفسك. قال فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلّا أخبرته به. فقال: «لا أبرأ من الذنوب! أفمالك يا مسور ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟» قلت: بلى.
قال: «فما جعلك أحقّ بأن ترجو المغفرة منّى؟ فو الله لما أنا ألى من الإصلاح بين الناس وإقامة الحدود والجهاد فى سبيل الله والأمور العظام التى ليست أحصيها ولا تحصيها أكثر ممّا تلى. وإنى لعلى دين يتقبّل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيّئات، وو الله لعلى ذلك ما كنت لأخيرّ بين الله وبين ما سواه إلا اخترت الله على ما سواه.
قال المسور: ففكرّت حين قال ما قال فعرفت أنه خصمنى! قال: فكان
إذا ذكر بعد ذلك دعا له بخير. قال أبو عمر: هذا الخبر من أصحّ ما يروى عن ابن شهاب.
وقد نسب معاوية إلى بخل مع كثرة عطاياه، فمن ذلك ما حكى أن عبيد الله بن أبى بكرة دخل على معاوية، ومعه ولد له، فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله، فأراد أن يغمز ابنه [فلم يمكنه] فلم يرفع رأسه حتى فرغ من أكله، ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه، فقال معاوية ما فعل ابنك التّلقامة ؟ [قال:
اشتكى].
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع